"أن فترة النقل تلك (في العصر العباسي) قد استمرت نحو قرن من الزمن وانتهت في نحو عام 850 للميلاد (236هـ). ولكن تبعها دور من الابتكار، دور عبر فيه العرب عن فكرهم الأصيل وازدهر في بغداد ثم امتد قرنين كاملين. وكثر الابتكار في عدد من ميادين المعرفة كعلم الكلام والفقه وفقه اللغة والبحوث اللغوية الأخرى والفلسفة والطب والعلوم الطبيعية. ذلك كان دورًا لا مثيل له في جميع أدوار التاريخ العربي. بل أن بإمكاننا أن نقول أكثر من ذلك: أننا على ثقة من أن العلماء الذين برعوا في الرياضيات والفلك، والأطباء من الذين عاشوا في بغداد في القرنين التاسع والعاشر للميلاد (الثالث والرابع للهجرة) لم يكن لهم مثيل (يومذاك) في قارتي أوروبة وآسيا. لقد جعل هؤلاء من مدينتهم عاصمة للعلم في العالم، كما كانت (من قبل) أثينا عاصمة الفلسفة ورومية عاصمة التشريع والقدس عاصمة الأديان.. وخلقوا حضارة ذات هبات غنية يغلب فيها عنصر الابتكار، وأقاموا في الإسلام عصرًا ذهبيًا (في العلوم الكونية).."(2).
[ 3 ]
"لم يدرك العرب وجود المعارف العلمية إلا بعد أن جاءهم الإسلام وبعد أن احتكوا بأهل الثقافات القديمة. أن الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام هي التي أدّت إلى هذا الاحتكاك الحيوي للعرب بالتراث الثقافي النفيس الذي خلّفه اليونان والسريان والفرس والمصريون القدماء.. لقد كان من أفضال [العرب] أنهم شجعوا كل جماعة من رعاياهم على أن تحافظ على تراثها القومي وعلى أن توسعه ما دام هذا التراث ليس مخالفًا للإسلام.."(3).
[ 5 ]