تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السنن- جاء مرتبطاً بإطار موضوعي معين، معالجاً لظروف قائمة وثابتة وعارضه، ومن هنا لا يستغني مجتهد عن معرفة ذلك كله والتأمل فيه" (1).

وهذه –كما هو ظاهر- فلسفة ملتوية لمسألة عدم ملاءمة الشريعة لقضايا العصر الذي نعيشه اليوم، لارتباطها بعصر النبي صلى الله عليه وسلم ومشكلاته "الثابتة"، وهي ما عبر عنها صراحة الدكتور عمارة بقوله:

"فإن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عند ما قرره نبي لعصره" (2).

والدكتور أبو المجد يفتح الباب على مصراعيه للتلاعب بالشريعة عن طريق "التفسير"، فهو من الأبواب الواسعة "للتجديد" التي تتيح لنا التحكم في النصوص القرآنية، وتوجيهها إلى حيث نريد ونميل ونهوى، حتى ولو كان هذا التوجيه غير مقصود منها أصلاً:

"وكثيراً ما يكون هذا الباب –باب التفسير- أوسع أبواب التجديد، لأنه يلتزم أساساً بالنص، ولا يحاول معارضته بدليل آخر، ولكنه يحمله مع ذلك، كل ما يريد، مما قد لا يكون مقصوداً به أصلاً!! أو يختار من معانيه المختلفة أكثرها اتفاقاً مع ميله واجتهاده واختياره، وما أصدق ما قرره أحد رؤساء المحكمة العليا الأمريكية في شرح موقف القاضي من نصوص الدستور حيث يقول: إننا نخضع للدستور، ولكن الدستور هو ما نقرر نحن أنه كذلك" (3).

وهكذا، فالقرآن المجيد –على نظرية الدكتور- هو ما نقرر نحن أنه قرآن أي "مراد الله من بيانه"، وقد يكون واضحاً أن الحكيم الخبير لا يقصد هذا الذي نذهب إليه البتة، ولكن لا مانع من أن نحمله كل ما نريد، وأن نطوع النصوص بحيث توافق "ميلنا واختيارنا".

وهذه –في الحقيقة- دعوة صريحة لهدم قواعد الإسلام، وزلزلة أصول الدين، ولقد كان من ثمار تلك النظرية "الشيطانية" أن وجدنا القرآن الكريم يوماً فلسفة اشتراكية، ويوماً فلسفة رأسمالية، ويوماً مؤيداً للنظم الديكتاتورية، ويوماً مؤيداً للنظم الليبرالية الديمقراطية.

بل لا يزال "الخاطر الحي" يذكر أن القرآن الكريم كان هو "الميثاق الناصري"، ثم أصبح "الكتاب الأخضر". وكذلك وجدنا –من ثمرات النظرية "المستنيرة"- كيف أن القرآن لا يعارض نظرية "داروين"، ولا يمنع من أن يكون أصل الإنسان قرداً؟ (4).

ولا جرم في ذلك، فالأمر –في مذهب الدكتور- باب متسع للتجديد والتنوير.

الطريف أن الدكتور يطلب بعد ذلك –في ملح الكلام- أن نضع ضوابط للتفسير الصحيح (5)، وهذا من العجب، فإذا كانت النصوص تتحمل كل ما نريد، وتميل حيث نميل، وتطاوعنا حيث ذهبنا، تماماً كالدستور الأمريكي، فأي ضوابط تريدها بعد ذلك يا صاحبي؟ ثم إذا كانت الضوابط التي وضعها الصحابة والأئمة الأعلام قد نسفتها نفساً، وطالبت بإعادة النظر فيها، فمن يا ترى الذي تنتظر أن يضع لنا الضوابط "الأهدى سبيلا"؟

ثم إذا كانت أصول الشريعة تحتاج إلى التجديد والتغيير، والنصوص تدور مع المصالح حيث دارت (6)، والقرآن يدور مع "هوانا" حيث دار، فأي دين بقي

(1) المصدر السابق / 44.

(2) د. محمد عمارة "المعتزلة وأصول الحكم"/ 330.

(3) د. أحمد كمال أبو المجد "حوار لا مواجهة" / 66.

(4) انظر محمد عمارة "الأعمال الكاملة للأفغاني" / 107.

(5) د. أحمد كمال أبو المجد "حوار لا مواجهة"/ 66.

(6) راجع ما قرره في ذلك في المصدر السابق/ 65.

نظرات شرعية في فكر منحرف · الصفحة ٧١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات شرعية في فكر منحرفص ٧١٢