مشاهدتها وإقامة التجارب عليها واستخراج قوانينها العلمية القائمة على علاقة السببية، أما أن نجاوز الطبيعة المتطورة إلى ما رواء الطبيعة الغيبي فتلك محاولة غير مشروعة ولا عناء فيها، إن جاز للأسبقين في مرحلة الطفولة البشرية أن يحاولوها فلا يجوز ذلك لنا نحن الذين نعيش في عصر العلم ودقته .. وللمذهب الوضعي شعبة حديثة معاصرة تسمى بالمذهب الوضعي المنطقي مؤداها أن ما يجاوز حدود الخبرة الحسية ليس هو كما ظن "أوجست كونت" وكما ظن "كانت" متعذر المعرفة على الإنسان لقصور أدوات المعرفة عند الإنسان، وأنه لو كان مزوداً بوسائل أخرى للمعرفة غير وسائله الحالية لجاز أن يكون في مستطاعه معرفة ذلك العالم الأسمى، بل هو مستحيل المعرفة بحكم تحليل اللغة نفسها التي يستخدمها من يتحدثون عن ذلك العالم الذي يجاوز حدود الخبرة الحسية الممكنة، إذ أن تحليل تلك العبارات تحليلاً منطقياً يبين أنها عبارات بغير معنى" ... أما "الوضعيون المنطقيون" إذا سئلوا عن رأيهم في عبارة كهذه، رفضوها لأن التحليل المنطقي لأجزائها وطريقة تركيبها يبين أنها بغير معنى، فلا يجوز قولها لا لأنها فوق مستوى العقل، بل لأنها عبارة فارغة" ...
وبمثل هذا المنطق وبمثل هذه المعايير جاء يحاكم الإسلام على أساس أنه مجرد تراث لابد من الاحتفاظ ببعضه لكي نحفظ لعروبتنا شيئاً من الأصالة كما يقول: لقد نظر إلى خصائص شخصيتنا فوجد فيها ثلاث خصائص إذا سلمنا بالأولى كان لزاماً أن نسلم بما يليها، وأولى هذه الخصائص هي نظرتنا الثنائية الحادة إلى السماء والأرض إلى الروح والجسد إلى الغيب والواقع تلك النظرة التي تجعل الطرفين في انفصام تام ويكون للطرف الأول دائماً السيادة المطلقة وللطرف الثاني الانقياد والتسليم. والثانية أن قوانين الأشياء والظواهر في الطبيعة قد تطرد أو لا تطرد دون التقيد بقوانين العلم، والثالثة أن قوام الأخلاق عندنا هو الواجب لا السعادة، وهذا الكلام سليم تماماً إذا فهمنا أن الدين الذي يتحدث عنه الكاتب هو المسيحية