تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن أقول: إن العرب في حاضرهم إذا أرادوا أن يكونوا استمراراً للعرب في ماضيهم، فلا يلزم عن ذلك أن ينقل الحاضرون عن الماضين كل ما اصطنعه هؤلاء الأسلاف من مبادئ، بل من حقهم أن يغيروا وأن يبدلوا كلما رأوا الفروض النظرية التي افترضها أسلافهم لم تعد تُثمر لهم حياتهم الثمرة المرجوة. كانت مبادؤهم فروضاً فرضوها لأنفسهم لتصلح بها الحياة بظروفها الماضية، ثم تغيرت ظروف الحياة فلم يعد بدٌ من تغير الفروض" (1).

وليس هذا فحسب، بل كل شيء عند زكي محمود قابلٌ للهدم بما في ذلك الأخلاق والقيم، وليس هناك شيء أو فكرة –في نظره- لها حصانة من النقد والتجريح، فإن "حقيقة الكائنات أنها تتغير وبخاصة الإنسان، ولا يعيب الإنسان وهو في مرحلة التغير –مرحلة التحول، مرحلة السفر- أن تهتز القيم وترتج المعايير، بل العيب هو ألا ترتج هذه وألا تهتز تلك، فلا ينبغي أن تكون لشيء أو لفكرة أو لوضع أو لنظام حصانة تصونه عن النقد والتجريح" (2)، وعلينا –في نظره- أن نُلقي بآدابنا وعقائدنا ومعارفنا الإسلامية التي تعرف عندنا باسم (الثقافة) علينا أن نلقي بها في النار، أو نجعلها على أحسن الظروف مادة التسلية في أوقات الفراغ، فنراه يقول بعد فاصل كبير من تقديس (التقنيات) و (الصناعة) و (الآلة): "وتسألني: ماذا نحن صانعون بآدابنا وفنوننا ومعارفنا التقليدية كلها، والتي تحتكر عندنا اسم (الثقافة)؟ فأجيبك بأنها مادة للتسلية في ساعات الفراغ، ولم أعد أقول –كما قلت مراراً مقلداً هيوم وجارياً مجراه- لم أعد أقول: إنها خليقة بأن يُقذف بها في النار، وحسبي هذا القدر من الاعتدال ابتغاء الوصل بين جديد وقديم" (3).

(1) المرجع السابق ص 198 – 199.

(2) تجديد الفكر العربي ص 227.

(3) المرجع السابق ص 241.

نظرات شرعية في فكر منحرف · الصفحة ٣١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات شرعية في فكر منحرفص ٣١٩