تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كثيرون دفاعاً عن تراثنا الفكري، ظناً منهم أن هذا الدفاع لا تتم لهم قواعده وأركانه إلا إذا نبشوا في صحائف الأقدمين، فأخرجوا لفظاً من هنا ولفظاً من هناك، وجملة من هذا الكتاب وأخرى من ذلك، ليثبتوا أن قيم هذا العصر الجديد –وأعني القيم المحمودة الشريفة- قد وردت كلها في تراثنا، وليس بنا حاجة إلى لغو المحدثين، فإن قال المحدثون: حرية ومساواة وعلم وعدل، أجبناهم في انفعال: صح نومكم يا هؤلاء، لقد سبقناكم بكذا قرن من الزمان إلى الحرية والمساواة والعدل والعلم وغيرها من القيم الرفيعة، ويفوتنا دائماً أن نتروى حتى نستوثق من أن كؤوس هذه الألفاظ ما زالت تحمل شرابها القديم ولم تستبدل به شراباً جديداً، به وحده تسري في أجسادنا روح العصر، وبغيره نتخلف لنعيش مع الأقدمين لفظاً ومعنى، وشكلاً ومضموناً" (1).

ولما قرر زكي محمود أن الشبه بين الحضارتين الغربية والإسلامية هو فقط في الشكل وليس في المضمون، عاد فأكد –كي يمتنع اللبس- أنه يجب أن نأخذ من تراثنا الشكل فقط دون المضمون، فالمناداة بشعار "العدل" و"الحرية" و"الفضيلة" و"المساواة" إنما نأخذها "مضموناً" من الحضارة الغربية، أما الحضارة الإسلامية فلا بأس أن نأخذ منها "الشكل" فقط، فنراه يقول: "وأستطيع أن ألخص رأيي في ذلك بعبارة واحدة قصيرة؛ تفصيلها وارد في سائر فصول هذا الكتاب، وهي: أن ما نأخذه من تراثنا هو الشكل دون مضمونه" (2).

ويحكم تارة على التراث الإسلامي بقوله: "إن هذا التراث كله بالنسبة إلى عصرنا قد فقد مكانته، لأنه يدور أساساً على محور العلاقة بين الإنسان والله، على حين أن ما نلتمسه اليوم في لهفة مؤرقة هو محور تدور عليه العلاقة بين الإنسان

(1) المرجع السابق ص 178 – 179.

(2) المرجع السابق ص 102.

نظرات شرعية في فكر منحرف · الصفحة ٣١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات شرعية في فكر منحرفص ٣١٦