تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ما جرى بالنسبة إلى إنكارها رواية ابن عمر ، وخلاصته : أنها ردت ما رواه ابن عمر بحجة مخالفته لما حفظته من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الموضوع ذاته حيث احتجت بقولها : (( إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم )) وفي رواية أخرى : (( إنما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم )) وليس فيه دليل على أنها ـ رضي الله عنها ـ أنكرت على ابن عمر ما رواه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمخالفته للقرآن .

وكذا ما رواه ابن عباس : قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت لعائشة ما قاله عمر : إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه ، فقالت : يرحم الله عمر ، لا والله ! ما حدث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن اله يعذب المؤمن ببكاء أحد ولكن ، قال : (( إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ، وقالت عائشة : حسبكم القرآن ( ولا تزر وازرة وز أخرى )(1) .

وهذا أيضاً صريح بأنها أنكرت على عمر ذلك الذي فهمه من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمخالفته نص الحديث الذي حفظته من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولهذا قالت : ولكن قال : (( إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه )) ولمزيد من التأكيد على أن ذلك فهم خاطئ من عمر تدرجت عائشة إلى الاستدلال بصريح الآية القرآنية حين قالت : وحسبكم القرآن ( ولا تزر وزارة وز أخرى ) . هذا بغض النظر عن تحقيق المسألة هل الحق مع عائشة ؟ أم مع عمر وابنه ؟ .

روى الإمام النسائي عن ابن عمر : أن النبي وقف على قلب بدر ، وفيه قتلى المشركين ، فقال : هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ وقال : (( إنهم ليسمعون الآن ما أقول لهم )) فذكر ذلك لعائشة ، فقالت : وهل ابن عمر : إنما قال رسول الله : إنهم الآن يعلون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ، ثم قرأت قوله تعالى ( فإنك لا تسمع الموتى )(2) .

وما نلاحظه في هذه الرواية : أن عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ إنما أنكرت على ابن عمر ما فهمه من خطاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقتلى المشركين خلاف ما فهمته وحفظته منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحجة أن ما تعرفه في هذا الواقع هو الصحيح ، ثم أتت بقوله تعالى : (( فإنك لا تسمع الموتى ) تأييداً لذلك ، ولم يكن السياق بحيث يفهم منه ـ لا منطوقاً ولا مفهوماً ـ أن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ رفضت ما روى ابن عمر من حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكونه مخالفاً للنص القرآني ، ولا يعقل ذلك في حقها ولا في حق أحد من الصحابة ، فإن ما قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يكون معارضاً للقرآن ، وأما ما يوهم منه نوعاً من المعارضة له ، مثل ما بين العموم والخصوص ، والمطلق والمقيد وغير ذلك فلا يستدعى إنكاره دون تأمل وتريث . فقد ورد عنها وعن غيرها من الصحابة ما يقرر ذلك من المواقف ، منها أنه لما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ليس أحد يحاسب إلا هلك ، قالت له عائشة : يا رسول الله جعلني الله فداءك ، أليس يقول الله عز وجل ( فأما أوتي كتابه بيمينيه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً ) قال : ذلك العرض يعرضون ، ومن نوقش الحساب هلك(3) وهذا ما يشبهه كاف في نهي التسرع إلى إنكار ما قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدعوى مخالفته للنصوص القرآنية ، فإن من الأحاديث ما يفسر القرآن ، وما يقيد وما يخصص عمومه ، ونحو ذلك(4) .

وما ذكرناه في أحاديث عائشة ينطبق تماماً على سائر ما أورده العلامة بد الدين الزركشي في رسالته المذكورة من الأحاديث المرفوعة ، ولم يكن شئ منها نموذجاً صالحاً لمحاكمة الأحاديث إلى القرآن بغرض معرفة صحتها وخطتها كما أدعى البعض ، بل الذي نلمسه من وراء ذلك هو ما يدعو أساساً إلى توخي مسلك النقاد في تنقية السنة وحفظها .

وفي الخلاصة ليس من أحد من الصحابة من سلك في محاكمة الأحاديث إلى القرآن هذا المسلك مباشرة قصد معرفة الصدق فيها أو الكذب .

وإنما كل الذي سجله لنا التاريخ عنهم في هذا المجال بالذات ، هو تؤدهم للمرويات التي تخالف المحفوظ عندهم والمعروف عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

وأما ما عداها فموقفهم منها أن يقبلوها تارة بتحفظ شديد حيث يطلب بعضهم لها شهادة أو حلفاً ، وتارة دون ذلك التحفظ تبعاً للظروف والمناسبات غير الملزمة .

ووجه آخر للتشدد والحذر اللذين لا يخرجان عن نطاق العلم ، يبرز أثناء الفتن من قبيل ما شاع في أواخر عهد الصحابة واستتبع الوضع والافتئات عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذاك ما عرف أيضاً عن الصحابة رضي الله عنهم ، من الحيطة والاحتراز في ألا يأخذوا من الأحاديث مرويها أو مسموعها إلا ما نخله علمهم أو ما عهده حفظهم الخاص عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

وفي هذا الشأن روى الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ عن مجاهد : قال : جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : (( قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم )) فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه ، فقال : (( يا ابن عباس : مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تسمع )) فقال ابن عباس : (( إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما عرف))(5) .

(1) البخاري في الجنائز 3/151ـ152 ( فتح الباري ) .

(2) سنن الترمذي ـ الجنائز ، باب أرواح المؤمنين 3/110ـ111 .

(3) انظر صحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب الميت يعذب .. 6/234 . وصحيح البخاري ، كتاب الرقائق ، باب من نوقش الحساب ... 11/400 .

(4) راجع الرسالة للإمام الشافعي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : 226ـ228 .

(5) مقدمة الصحيح 1/81ـ82 ( شرح النووي ) .

نظرات جديدة في علوم الحديث · الصفحة ٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات جديدة في علوم الحديثص ٣٠