والثاني: أن يضطر شخصٌ إلى طعام أو شراب أو دواء أو لباس أو غير ذلك، ولا يجد ذلك إلا عند رجل بعينه، فيبيعه ما يدفع ضرورته بأكثر من قيمته السوقية بكثير (أي بغبنٍ فاحش). أو أن يضطر شخص إلى بيع سلعته من أجل الحصول على نقد يلزمه لشراء ما هو مضطر إليه من طعام أو شراب أو لباس أو دواء أو نحو ذلك، ولا يجد من يشتريها منه، فيبتاعها منه شخص بأقل من قيمتها بكثير. وهذه العلة – أي مبايعة المضطر إلى البيع أو الشراء بوكس وظلم – منتفية في التورق الذي نتكلم عنه.
أ - ذلك أن المتورق عادة عندما يشتري السلعة من شخص بالنسيئة، ليبيعها بالنقد، فإنه يشتريها بقيمتها السوقية إلى الأجل المضروب أو بغبن يسير، وذلك سائغ شرعاً، ولا تثريب عليه في شرائه السلعة نسيئة بأكثر من قيمتها السوقية نقداً اعتباراً للأجل، ولا حرج شرعاً على بائعه في ذلك.
ب - وأن المتورق عندما يبيع تلك السلعة التي اشتراها نسيئة لشخص ثالث لا علاقة له بالبائع الأول بقيمتها السوقية نقداً، أو بغبن يسير – وهي عادة أقل من الثمن الذي اشترى به مؤجلاً – فذلك سائغ شرعاً للبائع (المتورق) وللمشتري الجديد على السواء.
هذا هو الأصل والجاري في الواقع من حالات التورق وتطبيقاته المعاصرة في الأعم الأغلب، وإليه ينصرف قول المجيزين.
الأمر الرابع:
صفر صفر ذو القعدة ? أن استدلال المانعين على حظر التورق – بأن البائع يقول للمتورق: إن قيمة السلعة كذا وكذا نقداً، ثم يبيعه إياها بأكثر من ذلك نسيئة. وذلك غير جائز لقول ابن عباس فيما رواه عبد الرزاق في (مصنفه): "إذا استقمت بنقد، فبعت بنقد، فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد، فبعت بنسيئة، فلا خير فيه، فتلك دراهم بدراهم" – غير مُسلم من وجوه:
أحدها: أنه ليس من لوازم مسألة التورق أن يقوَّم البائع للمتورق ثمن السلعة نقداً، ثم يبيعه إياها بأكثر من ذلك نسيئة، بل إن ذلك لا يحصل عادة في التورق.