والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مؤنة تُرهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة. فهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يُباع على هذا الوجه، وأن لا يُفتات عليه بماله (1) .
وقال ابن تيمية: "فإن كان المشتري مضطراً، لم يجز أن يُباع إلا بقيمة المثل، مثل أن يُضطر الإنسان إلى شراء طعام لا يجده إلا عند شخص، فعليه أن يبيعه إياه بقيمة المثل، فإن أبى أن يبيعه إلا بأكثر، فللمشتري أخذه قهراً بقيمة المثل. وإذا أعطاه إيّاه، لم يجب عليه إلا قيمة المثل. وإن باعه إياه إلى أجل، باعه بالقيمة إلى ذلك الأجل، ويأخذ قسطاً من الثمن" (2) .
وقال أيضاً: "وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند هذا الشخص، ينبغي له أن يربح عليه مثل ما يربح على غير المضطر، فإن في السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع المضطر. ولو كانت الضرورة إلى ما لا بدّ منه، مثل أن يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس، فإنه يجب عليه أن لا يبيعهم إلا بالقيمة المعروفة بغير اختياره، ولا يُعطوه زيادة على ذلك" (3) .
والرابع: لو سلّمنا جدلاً بمنع بيع المضطر، فإن المعنى الذي من أجله مُنع بيع المضطر غير متحقق في التورق، وذلك لأن المضطر في النظر الفقهي إما أن يكون بائعاً، وإما أن يكون مشترياً، وللاضطرار معنيان كما ذكر الفقهاء:
أحدهما: الإكراه. وعلى ذلك يكون المحظور إكراه المرء على بيع ما عنده أو على شراء ما عند الغير. وهذا المعنى خارج عن محل النزاع.
(1) ) ... معالم السنن 5/47.
(2) ) ... مختصر الفتاوى المصرية ص 326.
(3) ) ... مجموع فتاوى ابن تيمية 29/300.