تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيه، ووثق من أن سامعيه لم يدرسوه، فأراد أن يُلَبِّس عليهم ويُزَوِّر، ورأى المجال واسعاً للبس والتزوير.

* * * * *

وأما سورة الكافرون التى استدل بها على هروبه من المناقشة، فليس يأخذ أحد منها الهروب من المناقشة، فقد ذكر المؤرخون فى سبب نزولها، أن كفار قريش طلبوا من محمد [عليه الصلاة والسلام] أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا هم إلهه سنة، فنزل: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) إيئاساً لهم، وسداً لطمعهم أن يلين محمد أو يعترف بعبادة ما كانوا يشركون.

على أنه إذا لم يطلع المرء على سبب هذا النزول، لا يمكن أن يفهم منها الهروب من المناقشة، إذ هو يراه فى جميع الآيات قد أقام الحجج وأخذ بمخانقهم، وسد عليهم كل باب [أو كما قال الإمام عبد القاهر فى دلائل الإعجاز: قد أسَالَ عليهم الوادى عجزاً، وأخذ عليهم منافذ القول أخذاً] ثم جاءهم فى هذه الآية فقال: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) كما يقول القائل لمن أقام هو عليه الحجة: قد أقمت الدليل، ووضحت السبيل، ولك بعد ما تختار، لك ما تريد، ولى ما أريد، إدلالاً بقوته، وتبكيتاً لخصمه، وإشعاراً له بأنه إذا سلك ما سلك، فعن ضعف فى العلم والإرادة والاختيار، وعن جهل بالنافع والخير.

أهذا هو النقد العلمى، والبحث المنطقى؟!

اللهم إن القوم قد تلاعبوا بالألفاظ، وبعدوا بها عن معانيها، وأطلقوها على أضدادها!

فهذا النقد يصح أن يسمى أى شىء إلا اسم العلم، وأن يدخل فى أى باب إلا باب البحث.

سموا الأشياء بأسمائها، ودعوا الخداع والمراوغة، وقولوا: إلحاد باسم العلم نسميه، وضلال باسم البحث نُزْجِيْه، وما بنا خدمة

نقض مطاعن فى القرآن الكريم · الصفحة ٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نقض مطاعن فى القرآن الكريمص ٢٨