تمهيد
كانت علاقة اليهود بالأرض عبر التاريخ علاقة غريبة يشوبها التقلب والاضطراب فعلى الرغم من ظهورهم فى بداية الأمر على هيئة جماعات من البدو الرُّحَّل لا يعرفون الاستقرار فى مكان معين لتكوين حضارة خاصة بهم كغيرهم من الأمم فينتقلون من مكان إلى أخر حسب الأحوال والظروف إلا أن ذلك الوضع تغير بشكل جذرى حين دخلوا أرض فلسطين فقد حاربوا من يسكنون تلك البلاد قبلهم بمئات السنين كنعانيين وغيرهم ممن أقاموا لهم بها حضارة خاصة بهم حروباً مريرةً.
لقد حارب اليهود سكان تلك البلاد على زعم منهم أن الله قد وهبها لهم وذلك على الرغم من أن الأحداث التاريخية تؤكد أن أتباع نبى الله موسى عليه السلام حين أمرهم بدخول أرض فلسطين لنشر دين الله رفضوا ذلك بقوة خوفاً وجبناً فحين قال لهم موسى:
(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (، فردوا عليه بقولهم: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (.
ثم أكدوا له إصرارهم على عصيان أمره بقولهم: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (.
فكيف وهبها الله لهم؟! لقد كتب عليهم أن يدخلوا تلك البلاد لنشر دين الله فرفضوا ذلك بكل قوة خوفاً وجبناً.
و على الرغم من كونهم أكثر أقوام الأنبياء عصياناً وقتلاً لأنبيائهم إلا أنهم كانوا أكثر أقوام الأنبياء تدليلاً فلم ينزل الله بهم عقاباً قاضياً كما فعل بغيرهم من الأقوام والأمم السابقة .. فقد أهلك قوم نوح بالطوفان عقاباً لهم على كفرهم وعنادهم.
و أهلك قوم هود (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (.