تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد تعثرت القاعدة ومعها الكثير من سنة العراق، «بمطب استعماري» ومصيدة ماهرة. لا بأس أن نطلق عليها مصطلح «تبشيع الخصم» في الحرب النفسية لتأليب المجتمع المحلي والدولي على «ارتكابات الخصم» ونشرها بحرية النشر على الرأي العام العالمي. مما يسهل للخصم الأول تنفيذ برامجه العسكرية وهو في غمرة الحرب الأمريكية على السنة، لجعل المغير المتوحش على قرى الطين وكأنه يرش المبيدات الزراعية، على الحقول ! فلم يتحرك الشارع العربي ذو الأغلبية السنية المطلقة احتجاجاً على رشوش الصواريخ العملاقة فوق سقوف مصنوعة من جذوع النخيل في بلدات الفرات الأعلى وحتى تخوم الفلوجة.. ولو تذكرنا للحظة رد الفعل العربي على قصف بور سعيد والإسماعيلية. أثناء العدوان على مصر في حرب السويس 1956م، وقارنا ما كان عليه الشارع العربي والبيت العربي، والوجدان العربي، مع ما حصل في الحرب على الفلوجة و الأنبار، وحديثة، لاقتنعنا قليلاً بأن القصور لا يتصل بحالة الانكماش القومي وظاهرة التراجع العربي الطويل، فحسب، بقدر ما يتصل بالناتج العلمي لنظرية «تبشيع الخصم» والممارسات التي تهللت لها وجوه المذيعات وأصابع المشاركين المرحبين بمشاهد الرؤوس المقطوعة في براميل القمامة.

إن نظرية تبشيع الخصم، أخذت بها إسرائيل منذ حرب فلسطين الأولى عام 1948، وكنت قد سألت اللواء طاهر الزبيدي. معاون قائد القوات العربية في تلك الحرب، وقد عاش أيامه الأخيرة وحيداً في داره بمدينة اليرموك، عن تمرير إشاعة كان العراقيون يتفاخرون بها، وتقول: إن الجيش العراقي كان إذا ألقى القبض على يهودي، وضعه في مرجل من الماء المغلي حتى يتفسخ لحمه.. وعظامه! قال اللواء الزبيدي ربما كان القصد تخويف اليهود، فقلت، ولكن اليهود يعرفون أن ذلك لم يحدث، وأن الإدارة الإسرائيلية كانت تسعى لإرساء مفهوم أنها تحارب العرب باعتبارهم متوحشين ومصاصي دماء، وتأتي الإشاعة العراقية التي ربما خرجت في سياق الحرب النفسية لتدعم منهج اليهود في الحرب مع العرب، وذلك بتبشيع صورتهم أمام الرأي العام العالمي، والغربي الذي تعتمد على دعمه وتأييده بالدرجة الأولى.

يبدو أن ما حصل من ذبح على الهواء، وحرق جنائز على الطريق، كان نموذجاً ممتازاً لتصوير المعارضة السنية بما صور به العرب في الحروب الإسرائيلية، لكنها هذه المرة خبرٌ يقين ومصادق عليه ومنشور بإرادة فاعليه.

عمر والتشيع · الصفحة ٢١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عمر والتشيعص ٢١٥