تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما يعود الباحث إلى الأسباب التي أدت للحادث، لا يجد عند المؤرخين سبباً سوى ما يدعونه من أن الخليفة لم يتجاوب مع أبي لؤلؤة في تخفيض الضريبة بعد أن عرف منه أنه يتقن أكثر من صنعة، وهذا السبب بنظري بعيد للغاية، إذا كان للضريبة من تأثير على حياة العبد من الناحية الاقتصادية فمن اللازم أن يحقد على مولاه وينتقم لنفسه منه، لأن الضريبة تعود لصالح المغيرة مولاه ولا شأن للخليفة بها ولا هي تعود إلى بيت المال ليكون الأمر منها إلى الخليفة نفسه، لذلك فإني أرجح أن تكون أسباب الجريمة أبعد من ذلك، ومن غير المستبعد أن تكون داخلية ومن صنع أولئك الذين ضيق عليهم عمر بن الخطاب، ولم تتسع صدورهم لحزمه وصلابته ورقابته الدائمة لجميع تصرفاتهم، وكان يتظاهر في الشطر الأخير من حياته بالتقشف والعطف على الفقراء والصراحة في محاسبة ولاته، على ما كان يبدر منهم من التصرفات مما يتيح لمحبيه أن يطروه بالعدل ويضربوا الأمثال بعدله، وبلغ من السطوة والهيبة حتى دانت له رقاع واسعة من الأمصار، كان من في أقصاها يخاف درته، وهو في الحجاز، ولقد قال عمرو بن العاص يوماً: لعن الله زماناً صرت فيه عاملاً لعمر بن الخطاب، والله لقد رأيته وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية لا تتجاوز ركبتيه وعلى عنقه حزمة حطب، ورأيت العاص بن وائل في مزرارة الديباج، كما كان المغيرة يحقد عليه أيضاً لأنه عزله عن البصرة بعد اتهامه بالزنا وشهود الثلاثة عليه، وقد درأ الحد عنه لأن الشاهد الرابع زياد بن عبيد لم يكن صريحاً في شهادته، وكان كلما رآه بعد ذلك يقول له: كلما رأيتك خفت أن يرجمني الله بحجارة من السماء.

على أن رواية عبد الرحمن بن أبي بكر تدل على اشتراك جفينة غلام سعد بن أبي وقاص في الجريمة، وسعد بن أبي وقاص لم يكن على صلة حسنة بابن الخطاب، هذا بالإضافة إلى نبوءة كعب الأحبار بالجريمة قبل وقوعها، وكعب هذا كان على صلة متينة بالمغيرة بن شعبة وجميع المنافقين الذين لا يهمهم إلا الهدم والتخريب.

وما كان لعبد مملوك في تلك الفترة من تاريخ المسلمين أن يقدم على جريمة من هذا النوع تهز الدولة التي دانت لها رقاع واسعة من الأمصار، لمجرد أنه لم يتوسط له من مولاه بتخفيض الضريبة عنه، كما يدعي المؤرخون، ولم يكن ذلك إلا نتيجة لعمل مدروس ومتفق عليه بين هؤلاء الذين ثقل عليهم وجود الخليفة، وكانوا يضمرون له العداء والكراهية وكان هو بدوره يفاجئهم بما يسيء إليهم.

عمر والتشيع · الصفحة ٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عمر والتشيعص ٢٠٩