أما الخميني، فيقول المفكر والمرجع الإسلامي محمد حسين فضل الله في كتاب ثورة الفقيه ودولته الذي ساهم كاتب السطور بتدوين فصل مع كتاب آخرين: إنه أي الخميني كان يترك للمسؤولين أن يعيشوا تجربتهم، وكان يراقبها، فإذا أخطأوا في موقف أو كلمة أو ما أشبه ذلك كان ينبههم.
ومن الإيجابيات الكبيرة التي تسجل له أنه كان ينبههم إلى ذلك من خلال الشعب أو في الهواء الطلق، ولم يكن ينبههم في السر، حتى يتعلم الشعب أن لا يعيش المجاملات وأجواء ماوراء الكواليس، بل كان يؤمن بالوضوح. فلما كان واضحاً مع الناس. كان يريد للمسؤولين أن يكونوا واضحين معه. وكان يريد أن يكون واضحاً مع الشعب في تنبيه المسؤولين على أخطائهم.
وفي سياسة التعيينات ينهج الخميني أسلوباً مرّ بمرحلتين فقد أختار في أول الأمر التكنوقراط والليبراليين وأهل الإدارة، وإن لم يكونوا من قدامى الإسلاميين، فاختار الليبرالي مهدي بازركان لرئاسة الوزراء، وبني صدر لرئاسة الجمهورية، وإبراهيم يزدي للخارجية، ففشلت التجربة، فعاد إلى الأدوات الإسلامية من رجال الثورة ليكونوا على رأس قيادات الدولة ومراتبها المتقدمة.
ولعل شجاعته، كما يقول السيد فضل الله، أنه كان يتراجع عما يتبين فشله من خلال التجربة.
لعل السيد محمد حسين فضل الله يشير إلى مبدأ في سياسة الإمام علي يقدم على عدم حجب الأسرار عن الرعية، وكان الإمام علي يفتح لجيشه وأصحابه قلبه، فلا يخفي عليهم شيئاً مما يفكر القيام به، مادام يواجه المتصدين، وهو ما كان عليه عمر بن الخطاب الذي أثار مناقشة القضايا حتى الاستراتيجية منها في جلسات مفتوحة على أرض المسجد النبوي في المدينة.
أقول: لو وضعت هذه الفقرة ونسبت إلى عمر بن الخطاب، أما كانت سليمة، سوى أن تراتب المرحلتين مختلف، فقد بدأ عمر بن الخطاب بإسناد الولايات والإمارات لأصحاب القدم في الإسلام، فعين عمار بن ياسر على الكوفة وسلمان الفارسي على المدائن، ثم اكتشف بالتجربة أنهم لم يكونوا حازمين وحاسمين في ضبط مجتمع يخرج إلى الحياة الجديدة من بين قسوة القحط وعنفوان القبيلة، فاستبدلهم بالتكنوقراط ممن يمتلكون مهارة قريش وتجربتها في الزعامة والإدارة والقيادة. كالمغيرة بن شعبة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، فابتلي عمر على عمره. لتعيينه المتأخرين في الإسلام، مثلما ابتلي الخميني في المدرسة الليبرالية، أنه استبدل أهل الدراية والتجربة بأهل التقوى ودعاة الثورية.