وفي سوى ذلك، فالمسلمون على نهج التنقيص، سواء كان المستهدف علياً أم عمر.
إن التركيز على هذا الفصل هو خلاصة هذا المنهج، الذي يأبى المتنقصون من الطرفين أن يطلوا عليه بروح محمدية وبروح الحياد المنهجي.
ولو كان حكام العراق على هذا الفهم، أو لو كانوا عمريين، لحافظوا على إبقاء الخميني في ظاهر الكوفة، يقود المسلمين من العراق كما فعل عمر من قبل، لا أن يطرد إلى بلد غير عربي، وغير مسلم، فتفقد الكوفة دوراً مفصلياً لها، كان يمكن أن يتصل بدورها الأول، وباعتبارها قاهرة الدولة الساسانية.
لم أكن أجهل هذا ونحن في الأيام الأخيرة من صلتنا المشتركة مع صدام حسين، وكان نائباً فسألته هذا السؤال، وكنا على الحدود الإيرانية، لماذا لم ندعم الثورة الإيرانية، وهي تطارد مؤسسات الموساد والمنظمات الماسونية والدعاة الإسرائيليين هناك. فقال بالنص الحرفي: (إن ربعك غشوني) فمن هم ربعي؟.
ربما قصد بهم علماء الحوزة المتواطئين مع السلطة، والذين كانوا يهزؤون من الخميني ونفوذه، أو من المنظمة الحزبية في النجف التي كتبت لصدام حسين شيئاً من هذا القبيل. فلم يتصور أن للخميني هذه القدرة.
وتقضي الصدف، بلغة علمانية، وإرادة الله، بلغة دينية أن تكون مدة ولاية عمر على رأس الدولة تمتد إلى 128 شهراً. وولاية الخميني تمتد إلى 136 شهراً. فيقترب الزمان بالمكان وتتقارب التجارب، ولم يترك سوى شهور قليلة هي بقدر الخلاف في الاجتهاد بين تجربتين عاشتهما إيران في صراعها ضد السلالات الكسروية.
على خطى عمر:
فكما رفض عمر أن تفرش على عباءته في المسجد النبوي تيجان كسرى وصولجانه وخزائن الماس والذهب، رفض الخميني أن يقترب من رؤية هذا العرش المرصع بالماس. وكما فضل عمر بن الخطاب صحن الخزف على الأواني المصنوعة من الذهب والمرصعة باللؤلؤ، فتركها ووزع ثمنها للمستحقين، أو أعادها إلى بيت المال، وجلس على حصيرته في المسجد النبوي، يقضم كسرة الخبز اليابس ويرطِّبُها بقليل من اللبن في صحن الطين، جلس الخميني على حصيره في مصلى جمران ووجبته وجبة عمر، وهي وجبة النبي (ص) يشارك ابنته وزوجها.
أجل إن عاطفتنا تتسع، فتقفز من الذاكرة الملتهبة إلى شبكة العين صورة رسمها الشاعر محمد مهدي الجواهري لأبي العلاء المعري، فخرجت منه، ومن المعري إلى من كانوا ظاهرة في التاريخ البشري، أنبياء بحجم محمد (ص)، وأئمة بحجم علي، وخلفاء بحجم عمر، وفقهاء من طراز الخميني: