وسأضرب مثلاً بنفسي. فمنذ خمسين عاماً، وعمر بن الخطاب يشكل خطوط صورة مغرية للكتابة والتأليف، وقد استكملت أدواتي العلمية منذ تخرجي من كلية الآداب عام 1958، ولم يكن الوقت مناسبا إلا في السنوات الثلاث الأخيرة، بعد اشتعال النيران الطائفية في العراق وانتقال الحرب من صفحات الكتب وأعمدة المنابر في فترة الحرب العراقية – الإيرانية، وماتلاها من تطورات في العراق إلى واجهات المنازل وأجساد الضحايا وسكاكين الذبح، فأصبحت الكتابة في عمر بن الخطاب وفي نقد الخطاب الطائفي واجبة وجوب الماء لإطفاء النار.
وكان مما عجل في إصدار هذا الكتاب على سوء صحة كاتبه أن الفضائيات العربية صارت تنقل شهادات لعلماء دين من الشيعة يتنافسون على مسبة عمر بن الخطاب وأبي بكر، وكأنهم بهذا يوفرون (الدليل الشرعي)، والمسوغ الفقهي للانتحاريين الذين يستهدفون المدن والبلدات الشيعية بالسيارات المفخخة (نكالاً) لهم على شتمهم عمر وتشهيرهم بعائشة!!.
ألا يعني هذا أن السلم الأهلي في العراق يرتبط بالكتابة التاريخية ابتداء من العصر النبوي وإبطال المناهج والوسائل والمستحدثات التي قدمها الشيخ علي الكركي ومدرسته؟ دون أن نغفل المدرسة الأموية التي سبقت السلطان طهماسب في أسلوب السب وشتم الإمام علي بأكثر من عشرة قرون.
التنوير الشيعي
المُشرق والمحدود التأثير
المدرسة المصرية:
طبيعة المصريين الميّالة إلى الاعتدال، غلبت الأفكار والعقائد والاتجاهات المتشددة من أي مصدر صدرت، وأفرغت جانب التراكم الطائفي في المرحلة الفاطمية إزاء عمر بن الخطاب، مثلما أقصت التراكم الطائفي للمرحلة الأيوبية وأنتجت ثقافة ًإسلامية تستلهم في حيادها المذهبي روح زيد بن علي وممثله الفخري في العراق أبي حنيفة النعمان بن ثابت.
ومع تواضع الأداء السياسي والفكري للزيدية في العصور المتأخرة حتى رُكنت مهملةً في تكايا اليمن المتوكلية، إلا أن التماس التأثير المكشوف على بعض المدارس العربية المتأخرة لموقفها العملي من الخلافة الراشدة يمكن رؤيته بسهولة في المدرسة المصرية وتأثيراتها العربية.