إن الرواية لم تتوقف عند شيء من أنفة الزهراء وعزتها وكبريائها وروحها الاستشهادية، التي سجلت في ألواح الفداء. وكأنها استشهدت طوعاً بعد رحيل النبي. ولم تكن امرأة في بني هاشم، تنافس مكانها ومقامها وفضلها في الزعامة، لو أتيح للمرأة أن تتزعم ولم يحدث لفتاة في ريعانها أن يحدث موت أبيها رد فعل يودي بحياتها، وإذا ما سمحت مناهج الدفاع عن أهل البيت بالإساءة إليهم، إذا تعلق الأمر بالإساءة إلى عمر بن الخطاب، وضعت فاطمة الزهراء على باب الخصومة وأجهضتها وراء الباب، فمرويات أخرى في مناهج القطيعة تأخذ بالزهراء مع الإمام علي إلى أقل من ذلك. وتستشهد كتب القطيعة وآخرها كتاب (المواجهة مع رسول الله) للمحامي الأردني أحمد حسين يعقوب المتحول للتشيع، إذ يكرس رواية لصاحب كتاب (الإمامة والسياسة) أن علياً حمل فاطمة على حمار، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار، فكان الأنصار يقولون يا بنت رسول الله. قد مضت بيعتنا لهذا الرجل. ولو أن ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به.
وروي عن معاوية أنه أعاب على الإمام علي حمل قعيدة بيته على حمار، ويداه في يدي الحسن والحسين، يوم بويع أبو بكر، فلم يدع (الإمام علي) أحداً من أهل بدر والسابقين، إلا دعاه إلى نفسه، ومشى إليهم بامرأته (وإدللت إليهم بأبنيك فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة). وقد ورد كلام معاوية هذا في شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد.
وبهذه السهولة يفترى على الإمام علي. وترسم عنه لوحة تقشعر لها الأبدان. وكلتا الروايتين لم تحدثا، فلا علي يسمح لنفسه طارقاً الأبواب في الليل على حمار، ومعه المفجوعة برحيل والدها، وليس لمعاوية أن يستشهد بما لم يكن معروفاً آنذاك.
إن الأتباع يفخرون عادةً بشعبية زعمائهم، وكثرة جمهورهم، لكن روايات القطيعة تجعل الإمام علياً دائماً وحده. وهكذا كان وحدهم جميع الأئمة، فلم يستجب حتى الأنصار لعلي، أما فاطمة في هذه الرواية، فهي المغلوبة الكسيرة التي تسترحم عطف الناس ولا من مجيب.
وإذا كانت في الرواية الأولى، قد سارعت إلى طارق الباب، ففي الرواية الثانية كانت هي التي تطرق الأبواب.
فأين منها الحزن الذي قتلها بعد أشهر؟. وأين الجنين القتيل الذي أجهضه عمر بن الخطاب قبل ساعات؟ وفاطمة في ذات الليلة تركب مع علي حماراً. وتطرق أبواب الأنصار؟.