بتجارة بلاد الشام. وقد تحققت رؤية "بونابرت على أيدي الحكومات الفرنسية التالية. بل إن نبوعته بانهيار الإمبراطورية العثمانية واقتسام القوى الأوروبية الأراضيها تحقق أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها. لقد كان بونابرت بشكل بأسلوبه القاسي، الذي لا يدع محلا للاعتبارات الإنسانية، الشرق الأوسط الحديث كما نعرفه اليوم، أي ما يعد حلبة تهيمن عليها القوى الاقتصادية والعسكرية لشمال الأطلسي في سياق ثقافة ومؤسسات سياسية هجينة. إن أوجه الشبه بين خطاب الجنرال الكورسيكي من حيث خططه واستخدامه للأساليب البلاغية وما نراه من حملات شمال الأطلسي في الإقليم تشير إلى أمراض مستعصية تعاني منها جمهوريات عصر التنوير. ويقول إدوارد سعيد في هذا السياق أن المشروع الاستعماري اعلن عن مساعدة الإقليم الخروج من حالة الهمجية التي يعيشها ليستعيد أمجاده الكلاسيكية، وكذلك أعلن عن تعليم الشرق أساليب الغرب الحديثة لينتفع بها ويرقي، كما أراد المشروع الاستعماري التهوين من شأن القوة العسكرية كي يرفع شأن مشروع المعرفة المجيدة التي يكتسبها الشرق أثناء خضوعه لعملية السيطرة السياسية، في حين يقر الغرب باعترافه الكامل بمكانة الشرق في الذاكرة وأهميته لتحقيق الإستراتيجيات الإمبريالية، ودوره الطبيعي بوصفه تابنا الأوروبا". (1) ومع ذلك فالتقابل الثنائي بين الهيمنة الأوروبية والمقاومة التي يبديها الشرق الأوسط لا يمكن أن تمسك بأطراف تلك العلاقات المعقدة. إن الناجحين من أصحاب السياسات الإمبريالية مسيطرون بالضرورة، غير أن خطاب الخاضعين من الشعوب المقهورة لا يخلو من مواطن قوة حضارية (0) فكيف لنا أن نفهم دفاع بونابرت عن النبي محمد، وهو الدفاع الذي نقله عن الفيلسوف الفرنسي فولتير؟ وكذلك كيف لنا أن نفهم موافقة الشيخ عبد الله الشرقاوي على إدخال الفرنسيين المجالس الحكم في الأقاليم المصرية؟ إن التفاصيل المتضاربة في المذكرات، مما
479