تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن خلال تجربة طويلة في الحياة؛ وجدتُ أن عاقَّ والديه لا يستمر في طريق الحق طويلاً، ولا يسير مع الجماعة المسلمة إلا خطوات قليلة، ثم ما يلبث أن يفتتن بالدنيا ويذهب بعيداً من حيث جاء، ولعل السرَّ في ذلك - والله أعلم -: أن من لا خير له في والديه - وهما سبب وجوده في الحياة - لا خير له في دينٍ أو إسلامٍ أو جماعةٍ مسلمةٍ.

وعلى الدعاة والقادة في الجماعة المسلمة؛ أن يسألوا إخوانهم وجنودهم عن علاقتهم بوالديهم وأهلهم، وأن يطمئنوا على تنفيذ قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾، إذ إن معصيةً كمعصية العقوق لو ذاعت وانتشرت يمكن أن تهلك الجماعة المسلمة كلها، وتكون سبباً في غضب الله عليها وإنزال سخطه سبحانه وتعالى - نعوذ بالله من ذلك -

ونحن إذا تأملنا الواقع الحالي؛ وجدنا - ولله الحمد - علاقة قوية بين الأخوة وأسرهم، ووجدنا محبة عظيمة واحتراماً متبادلاً بين الاثنين، ووجدنا معظم أسر الإخوة ما تلبث بعد عام أو عامين على الأكثر - من التزام الأخ - أن تدخل كلها في دائرة الالتزام الجاد بالإسلام وبتعاليمه كلها، بل قد نجد من بين أفراد هذه الأسرة من هو أقوى التزاماً وأفضل وأثبت من الأخ نفسه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وإني أشهد هاهنا شهادة حق؛ إن آباء الأخوة وأمهاتهم وزوجاتهم تحملوا طوال سنوات عديدة مضت كلَّ الشدائد في سبيل الله، وضربوا أروع الأمثلة في الصبر والثبات على الحق والوقوف وقفة صلبة خلف الإخوة المجاهدين.

ولعل أعظم شاهد على ذلك؛ مئات الأمهات والآباء والزوجات الذين يقفون كل يومٍ بالساعات تحت حر الشمس المحرقة في الصيف، وتحت المطر في الشتاء، ويلاقون من العنت والمشقة والأذى والتكلفة أكثر مما يتحمله الأخ نفسه، وينتظرون الشهور والسنين صابرين على فراق الأبناء والأزواج، ويحرمون أنفسهم من شهي الطعام ليذهبوا به إلى أبنائهم، وقد يبيت بعضهم على الطوى، وهم مع كل ذلك صابرون محتسبون، فهم في جهاد عظيم لا يقل شموخاً وعظمة عن جهاد أبنائهم وأزواجهم - إن لم يكن يزيد عنه -

وقد كان لثباتهم وصبرهم واحتسابهم أكبر الأثر في ثبات أبنائهم وأزواجهم على الحق، وتحملهم الشدائد في سبيل الله.

رسالة إلى كل من يعمل للإسلام · الصفحة ٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة إلى كل من يعمل للإسلامص ٤٠