ولأهمية هذا الدرس العظيم الذي تعلمه جريج، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمه لأمته رحمة بها، وحتى لا تقع في ذلك الخطأ الذي وقع فيه جريج، وخاصة من الصالحين وحملة الدين ومن هم على شاكلة جريج، لأن عقوبتهم تكون أشد من غيرهم.
وأقول أيضاً لهذه القلة من الإخوة الذين لا يحسنون إلى والديهم:
تذكروا أُويساً القرني ذلك التابعي الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم - محدثاً عمر بن الخطاب -: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)، فظل عمر بن الخطاب يسأل عنه كل مدد يأتي من اليمن، حتى لقيه، فذكر له الحديث، ثم قال: (استغفر لي)، فاستغفر له أويس.
فتأملوا - إخواني - تلك الدرجة السامقة التي تبوأها ذلك التابعي، وما أرفعها والله من درجة! فوالله لو ظللت أشرح علوها ورفعتها صفحاتٍ، ما أغنت عن بيانها شيئاً ويكفي هذا التابعيَّ أن يمدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقص قصته على الصحابي، بل ويأمر عمر بن الخطاب - مع جلالة قدره - أن يطلب منه الاستغفار، وما أدراك من عمر بن الخطاب ومكانته في دين الله وعند الله! ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه هذا التابعي لو أقسم على الله لأبره.
بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة إذا قابلوا هذا التابعي أن يطلبوا منه أن يستغفر لهم، فقد ورد في إحدى روايات الإمام مسلم قولُه صلى الله عليه وسلم: (فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)، وفي رواية أخرى: (فمروه فليستغفر لكم).
وكل ذلك الشرف وهذه المكانة العظيمة التي تبوأها أويس القرني من أسبابها بره لوالدته، فسبحانك يا رب! فكيف لو كان والده حياً وكان يبرهما معاً؟! إن هذا لدرس عظيم لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
إنني أنادي جميع الإخوة وأناشدهم قائلاً لهم:
إن أولى الناس بدعوتكم هم والديكم وأهليكم وأقاربكم، ألم تسمعوا قول الله عز وجل: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؟ فهل يحب أحد منكم أن يدخل الجنة ويدخل أحد والديه النار؟ أو يعذب يوم القيامة نتيجة تقصيره في دعوتهم للحق والهدى والنور؟
كما أناشد كل أخٍ؛ أن يرفق بالناس عامة، وبوالديه وأهله وأقاربه خاصة، وأقول له: إذا وجدت أحد والديك - أو كليهما - على معصية فعليك بالرفق واللين في دعوتهم، وتذكر أنه لا يجوز لك شرعاً من درجات تغيير المنكر مع الوالدين إلا الدرجة الأولى فقط، وهي التغيير بالقول اللطيف والرفق واللين، وعليك أن تعصيهما في المعصية فقط، أما أن تعصيهما على طول الطريق بمجرد أنهما مقصران في بعض أمور الدين، فذلك لا يجوز لك إطلاقاً.
فعليك أن تطيعهما في كل مباح أو مندوب أو واجب في الدين، حتى لو كانا من العصاة، أو حتى من الكفار، وعليك أن تحسن صحبتهما، وتعاشرهما بالمعروف، وتخدمهما، وتنفق عليهما إن كنت تستطيع ذلك.
وإياك أن تُشْعِرَ والديك يوماً بالانتقاص منهما والاستطالة عليهما، أو أن تشعر والدك خاصة بأنه كَمٌّ مُهْمَلٌ في البيت، وأنك أصبحت السيد المسيطر المتحكم في البيت رغماً عنه، فتضرب أشقاءك وشقيقاتك بسببٍ وبغير سببٍ، وتشمخ على الجميع، كل ذلك تحت دعوى تغيير المنكرات التي في البيت! ولعل إفسادك في هذه الأمور كلها يكون أشد من منكر قد يكون مختلفاً عليه بين العلماء.
ولو أنك دعوتهم دعوة صحيحة سليمة على بصيرة وعلمتهم الدين حقاً، لوجدت الأمور كلها قد استقامت كما تحب وأكثر مما تحب، بل قد تجد من أفراد أسرتك من هو أفضل منك، وأعظم قرباً إلى الله منك.