والمؤمنون الموصوفون بالآية، هم الَّذين يقومون لصلاة الليل، ويتهجَّدون بالصَّلاة والدعاءلله. والقرآن يعبِّر عن هذا القيام بصورة حسِّية، فَيُقرِّب إلى أذهاننا صورة المضاجع في الليل، وهي تغريهم بالرُّقاد والراحة، والتلذذ بدفء الفراش، ولكنَّ أجسادهم لا تستجيب، بل تجتهد في مقاومة الإغراء، لأنها في شغل عنها بالوقوف بين يدي الله، والتوجُّه إليه في خشية وطمع، يتنازعها الخوف والرجاء، الخوف من عذابه، والرجاء في رحمته. وهم إلى جانب هذه الحساسية المرهفة، والصَّلاة الخاشعة، والدعاء الحار، يؤدُّون واجب الإنفاق طاعةً لله وزكاة لأموالهم.
وترافق هذه الصورة المشرقة صورة للثواب الرفيع الخاص، الفريد، الَّذي تتجلَّى فيه ظلال الرعاية الخاصَّة، والإعزاز الذاتي، والإكرام الإلهي، هذا الجزاء يُلخَّص في قول الله تعالى: ﴿فلا تعلَمُ نفْسٌ ما أُخفيَ لهم من قُرَّةِ أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ وهو تعبير يوحي بحفاوة الله بهؤلاء القوم، وتولِّيه لهم وإعداد المُدَّخَرِ لهم عنده من الكرامة الَّتي تَقَرُّ بها العيون، وهذا المُدَّخر لا يطَّلع عليه أحد سواه، ويظل مستوراً عنده حتَّى يَكشِفَ عنه لأصحابه يوم لقائه. وإنها لصورة حبيبة لهذا اللقاء الفريد بين حضرة الله وعباده المؤمنين، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تبارك وتعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخراً بَلْهَ ما أطلعكم عليه، ثمَّ قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم : ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾». قال أحد الصالحين: [المراد به النظر إلى الله تعالى]، وقيل أيضاً: [أخفى القوم أعمالاً، فأخفى الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت]. ومن ذلك يمكن أن ندرك أن علامَتي الإيمان الخضوع والتسبيح، وأن دافِعَيْه الخوف والرجاء، وأن ثمرتَيه الرضا والقرب.
سورة لقمان(31)