لقد كانت قضية الأعمى عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسبة لبثِّ التشريع الإلهي والقيم السماوية الخالدة، الَّتي جسَّدها وحي الله عزَّ وجل حول الإنسان وكرامته عند الله، وخصوصاً عندما يكون مقبلاً على الهداية طالباً لها، يأوي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجيراً بهدايته من ظلمات الجاهلية، فلا يمنعه والحالة هذه، رثاثة ثيابه، ولا كَفُّ بصره، ولا فقره وجوعه من قبوله في مدرسة الهداية، والإقبال عليه وترك من سواه كائناً من كان لاسيَّما عندما يكون هذا المُعرض متكبِّراً مغروراً بماله أو قوَّته. إن مهمَّة الأنبياء والرسل هي أشرف المهمَّات وأعلاها قدراً، لذلك فهي مهمَّة صعبة للغاية، فالنبي مسؤول عن كلِّ كلمة ينطق بها، وعن كلِّ عمل يعمله، وعن كلِّ موقف يسكت عنه، لأنه يُبيِّن للأمَّة دستورها بشكل عملي، ويُرسي للمجتمع قواعده السلوكية والعملية، وأي خطأ أو إهمال يصدر عنه فإنه سَيُورَّثُ للأجيال المتلاحقة من ورائه، ويمارسه الناس على أنه الصواب، وهو في واقع التشريع الربَّاني خطأ. لذلك كان لابدَّ من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم باستمرار في كلِّ سلوكه وتصرُّفاته وأقواله، لكي تُرسَى قواعد الشريعة على ما يريد الله تعالى لها أن تُرسَى عليه. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً عن الخطايا والذنوب فإنه ليس معصوماً عن الزلاَّت والهفوات غير المقصودة لأنه إنسان؛ فقد يرتكبها أو يتعرَّض لها أثناء دعوته بحكم إنسانيته وبشريته، فيفعل ما هو حسن في نظره مع وجود الأحسن في نظر الله عزَّ وجل، إلا أنه بحكم نبوَّته وكونه قدوة للناس، يتعيَّن تبيين أخطائه من قبل وحي السماء وتصحيحها على الفور. فما أن يصدر عنه خطأ اجتهادي يختار فيه أمراً رآه فاضلاً من وجهة نظر ما، حتَّى تنقضه السلطة التشريعية السماوية وتُصَوِّبَ ذلك الحكم، ويتنزَّل وحيها عليه ليَعْدِل عن الفاضل إلى
منهاج حياة · الصفحة ٩٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٩٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي