تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الملاحظ أن توصية الآباء بالأبناء قليلة إذا ما قورنت بتوصية الأبناء بالآباء، وذلك لأن الفطرة كفيلة برعاية الوالدين للأولاد، رعاية تلقائية لا تحتاج إلى محرِّض، وقد تصل أحياناً إلى حد الموت في سبيل الأبناء. وتخص الآيات الكريمة الأم بالذِّكر تقديراً لها على ما تعانيه من آلام الحمل والوضع، فهي تحمل طفلها كرهاً وتضعه كرهاً، تلك هي صورة الحمل وخاصَّة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وآلامه، فالوضع عملية شاقَّة، ولكنَّ آلامها الهائلة كلَّها لا تقف في وجه الفطرة، ولا تُنسي الأم حلاوة الثمرة، ثمرة التلبية لفطرتها، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش وتمتد. ثمَّ تأتي مرحلة الرضاع والرعاية حيث تعطي الأم خلاصة غذائها لبناً سائغاً، وعصارة قلبها وأعصابها حباً ورعاية، لا تملُّ ولا تكلُّ، ولا تكره ولا تضجر، بل تؤدي واجبها فرحة سعيدة سعادة غامرة، وغاية ما تتطلع إليه من الجزاء أن تراه يسلم وينمو. وعلى الرُّغْم من عظمة هذا العطاء، نجد ظاهرة العقوق لا تزال متفشية في كثير من الأسر والمجتمعات، حيث يُقابَلُ فيها الإحسان بالإساءة، والمعروف بالمنكر، والفضل بالجحود، إلا أنه غالباً ما يكون هذا العقوق حصاداً لزرعٍ غرس بذوره الآباء، ونتيجة لأسباب يقع بها الكثير منهم إمَّا بشكل عفوي تقليدي، وإمَّا عن قصد وتعمُّد، ومن هذه الأسباب:

1 ـ معاملة الآباء لأبنائهم بالأسلوب التقليدي الَّذي عوملوا به من قبل آبائهم، مدفوعين بدافع التقليد الأعمى، أو مهملين متجاهلين لِدَوْرِ المرونة الفكرية، الَّذي تتطلبه عملية التطور والتغيير، الَّذي يطرأ على المجتمعات والعلاقات الاجتماعية بمرور الأيام.

منهاج حياة · الصفحة ٦٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٦٠٩