لقد سار الإسلام بالمجتمع في هذه التعاليم إلى العدالة الاجتماعية المطلقة والسعادة الحقيقية، فقد نفى وجود العوز والفاقة في ظلال هذا التمايز بين الناس غنىً وفقراً، واستطاع أن يصل بهم جميعاً إلى حدِّ الغنى، وقضى على مشكلة الفقر عملياً. ففي عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لم يبقَ في المجتمع فقير محتاج إلى الزَّكاة، وبذلك أثبت الإسلام صحَّة نظريته عملاً وتطبيقاً. فلو كان جميع الناس على مستوى فكري واجتماعي واحد لما أمكن أن تقوم الحياة بهذه الصورة، ولبقيت أعمال كثيرة جداً معطَّلة لا تجد لها منجزاً. وإن الَّذي خلق الحياة هو الَّذي خلق الاستعدادات متفاوتة بتفاوت الأدوار المطلوب أداؤها، وبمقابل هذا التباين يتباين الرزق، وهكذا تسير الأمور في الاتجاه الصحيح. إن الله الَّذي مكَّن الغنيَّ من المال ومنعه عن الفقير؛ ابتلى كلاً منهما واختبره، فهل يشكر الغنيُّ نعمة الله فيضمن كفاية الفقير فيفوز في الاختبار؟ وهل يصبر الفقير على الفقر فينجح في الامتحان؟ أم أنَّ أحدهما أو كليهما يتنكَّر لقدر الله فتكون الخسارة العظمى؟. إن الله يصيب برحمته من يشاء من عباده وفق ما تقتضي حكمته سبحانه، ولا علاقة بينها وبين متع الحياة الدنيا، ولا صلة لها بالقيم المادية في هذه الحياة، فهذه القيم زهيدة عند الله، ومن ثمَّ يشترك فيها الأبرار والفجَّار، وينالها الصالحون والطالحون، بينما يختصُّ الله المحسنين برحمته في الدنيا والآخرة.
وختام القول: إن استمرار دوران عجلة الحياة متوقِّف على شعور كلِّ فرد في المجتمع بافتقاره إلى ما عند غيره، واحتياج غيره إلى ما عنده، فيتبادلون المنافع وتسير عجلة الحياة دون توقف، ولاشكَّ أنها ستتوقف عندما يشعرون بالاستغناء عن بعضهم بعضاً.
سورة طه(20)