وممَّا تجدر الإشارة إليه في رحاب الآيات القرآنية السابقة؛ أنها قَرنَتِ التفكُّر في خلق السموات والأرض بالتوجُّه القلبي لذكر الله وعبادته حق العبادة، ليُعلم من هذا بأن الفكر والذكر جناحان لا استغناء عنهما ولا عن أحدهما لمن يريد أن يحلِّق للوصول إلى معرفة الله. فالمؤمنون الَّذين يذكرون الله على اختلاف حالاتهم، قائمين وقاعدين ومضطجعين، ويتفكَّرون في خلق السموات والأرض تتفتَّح بصائرهم على الحقائق الكبرى، ويُغمرون بالعشق الإلهي. فلحظات الذكر عندهم تمثِّل صفاء القلب، وشفافية الروح، وتفتُّح الإدراك واستعداده لتلقِّي بركات السماء، كما تمثِّل التأثُّر والاستجابة، فهي لحظات العبادة، والوصال والتلقِّي، وبالتالي فلا عجب أن يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر، وأن يكون التفكُّر مُلْهِماً للحقيقة الكامنة فيها؛ وهي أن هذا الكون لم يُخلق عبثاً ولا باطلاً، فلا يملك المرء بعد كلِّ هذا إلا أن يتوجَّه إلى الله متضرِّعاً معلناً قناعته بحكمته تعالى في خلق المخلوقات قائلاً: ﴿ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً﴾. وهذا من أدب المؤمن مع الله؛ فهو حين يهتدي إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه في بديع خلقه، ويستشعر عظمته، ينطلق من الإقرار إلى الدعاء طالباً من مولاه أن يجنِّبه عذاب النار وأن يوفِّقهُ إلى صالح الأعمال، لتكون وقاية تحول دون سخطه، ووسيلة تقرِّب إلى رضاه.
فمن أوائل الدلائل على عظمة الله عملية الخَلْق، وقد تحدَّى الله من يدَّعون الألوهية وينسبونها لغيره؛ عن طريق مَثَلٍ ضربهُ لهم بواحدة من أحقر مخلوقاته شأناً، ألا وهي الذبابة، ليقيم عليهم الحُجَّة والبرهان؛ فيتوصلوا إلى الإقرار بعظمته والاعتراف بالعجز عن تقديره حقَّ قدره.
سورة الحج(22)