وكان إبراهيم عليه السَّلام حتَّى هذه اللحظة وحيداً لا عقب له، وهو يترك وراءه الأهل والأصحاب، فاتَّجه إلى ربِّه وسأله أن يهبه غلاماً صالحاً، يستعين به من أجل تبليغ الدعوة، وحمل لواء الرسالة من بعده، فاستجاب الله دعاء عبده الصالح، المهاجر إليه بقلب سليم، وأكرمه بغلام عاقل حليم، فربَّاه أحسن ما يُرَبِّي به نبيٌّ ولده، من حسن الطاعة والأخلاق الفاضلة.
ولنا أن نتصوَّر فرحة إبراهيم عليه السَّلام، الوحيد المهاجر المقطوع عن أهله وقرابته، عندما رُزق ـ على الرُّغْم من كِبَرِ سنِّه وشيخوخته ـ بغلام طالما تطلَّع إليه وتمنَّاه، وكان غلاماً متميِّزاً، ويشهد له ربُّه بأنه حليم. ولَكِنْ ما كاد يأنس به ويرى صباه يتفتَّح، ويرافقه في الحياة، ويشاركه في السعي، حتَّى رأى في منامه أنه يذبحه. ويدرك إبراهيم عليه السَّلام أنها إشارة من ربِّه للتضحية، لأنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ وصدق، فماذا كان من أمر هذا الأب؟ إنه لم يتردَّد، ولم يخالجه إلا شعور الطاعة، ولم يخطر له إلا خاطر التسليم لإرادة الله بمجرَّد الإشارة، لا الوحي أو الأمر المباشر، فهذا يكفيه كي يقدِّم لله أنفس ما عنده، ويجد بذلك أنه لم يقدِّم شيئاً، لأن ما قدَّمه إنْ هو إلا مُلْكٌ لله تعالى. ثمَّ يعرض الرؤيا على ولده إسماعيل في كلمات العاقل الحكيم، المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الَّذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدِّي واجبه، فيقول: ﴿يا بنيَّ إنِّي أرى في المنامِ أنِّي أذبَحُكَ فانظر ماذا ترى﴾ فهو يعرض عليه الرؤيا، ولم يقلْ له بأنه أُمِرَ بذلك ليعلم مدى تقبُّله لمضمون الرؤيا، وليعلم مدى صبره على التنفيذ، وليأخذ الطلب طاعة واستسلاماً، لا قهراً واضطراراً، لينال هو الآخر أجر الطاعة ولذَّتها، ويتذوَّق حلاوة التسليم. إنه يحبُّ لابنه أن يفوز بالخير الَّذي يراه أبقى من الحياة؛ فماذا كان من أمر الغلام الَّذي يُعرض عليه الذبح تصديقاً لرؤيا والده؟؟ إنه امتحان