تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ بهذا الإخلاص الرائع استحقَّ إبراهيم عليه السَّلام، الذكرى الخالدة العطرة، في سائر الرسالات السماويَّة، وعلى مرِّ الأجيال والعصور، تقديراً وتكريماً له من ربِّ العالمين، لأن إيمانه كان يعدل إيمان أمَّة مؤمنة قولاً وعملاً، قال تعالى: ﴿إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قَانِتاً لله حنيفاً ولم يكُ من المشركين * شاكراً لأَنْعُمِهِ اجتباهُ وهداهُ إلى صراطٍ مُستقيم * وآتيناهُ في الدُّنيا حسنةً وإنَّه في الآخرةِ لَمِن الصَّالحين﴾ (16 النحل آية 120ـ122).

في رحاب الآيات:

لقد تعرَّض إبراهيم عليه السَّلام لألوان من الاضطهاد أنزلها به قومه، وبلغ ذلك الاضطهاد ذروته عندما عزموا على إحراقه بالنار: ﴿قالوا ابْنُوا له بُنْيَاناً فَأَلقوهُ في الجحيم﴾ (37 الصافات آية 97) فلما مكروا به، مكر الله بهم وأنقذه من النار الَّتي أضرموها، ففقدت خاصيَّتها في الإحراق بمجرَّد خطاب الله لها: ﴿قُلنا يانارُ كُوني بَرْداً وسلاماً على إبراهيم﴾ (21 الأنبياء آية 69) وبذلك تجلَّت قدرة الله على خرق العوائد، وعظيم رحمته وتأييده لخليله ولكلِّ من والاه، فلم يتخلَّ عنه ولم يجعل للنار عليه أدنى تأثير أو أذى.

ثمَّ قرَّر إبراهيم عليه السَّلام ـ بعد أن لاقى ما لاقى ـ الابتعاد عن قومه الظَّالمين له ولأنفسهم، فهاجر إلى ديار السَّلام والأمن، وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية، هجرة يترك فيها كلَّ شيء: أباه، قومه، أهله، بيته، ووطنه، ويدع كلَّ عائق وكلَّ شاغل، فيهاجر إلى ربِّه متجرِّداً من كلِّ شيء، مُسلِّماً أمره إليه، وهو موقن أنه سيهديه، ويسدِّد خطاه، ويثبِّتها على الطريق المستقيم. إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال، ومن أواصر شتَّى إلى آصرة واحدة، لايزحمها في النفس شيء، إنه التعبير عن التجرُّد عمَّا سوى الله، والاستسلام لأمره، واليقين بتأييده ونصره.

منهاج حياة · الصفحة ١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٦٥