وقد استحقَّ هؤلاء وأمثالهم ذلك الوعيد، لأن كثيراً من أصحاب القلوب الصافية ينجذبون إلى النور الَّذي تحمله الرسالات السماوية، ولكنَّهم يصطدمون بالسلوك الخاطئ لهؤلاء الدعاة المنحرفين، وتختلط في عقولهم المفاهيم فيتوهَّمون وجود الخلل والقصور في الرسالة ذاتها، فيتراجعون ويتقاعسون حتَّى تنطفئ جذوة الحماس في صدورهم، ويفقدون الرغبة بالتمسُّك بمبادئها، ويتَّخذون لأنفسهم مساراً جديداً بعيداً عنها، ولرُبَّما انقلبوا أعداءً عليها، وكان حريٌّ بهم أن يُعملوا فكرهم، ويفرِّقوا بين الرسالة ومضمونها من جهة، وبين المنتسبين إليها من جهة أخرى، ومدى جدارتهم بتمثيلها والدعوة إليها. وهكذا فإن هذه الآيات الكريمة تثبِّت أهمَّ الركائز الأساسية لمدرسة الدعاة إلى دين الله، تلك المدرسة الَّتي تُخرِّج دعاة حقيقيين، يحسنون تمثيل الأفكار والفضائل الَّتي ينشرونها بين الناس. ثمَّ تستمر الآيات في توجيهاتها القيِّمة، فترشد المخاطبين إلى الاستعانة بالصبر والصَّلاة في مواجهة العقبات والعوائق الَّتي تحول دون الرُّقيِّ في درجات الحبِّ الإلهي، والتعاون الإنساني.
فالصَّبر هو الزَّاد الَّذي لابدَّ منه لمواجهة كلِّ مشقَّة؛ وأهمُّ المشقَّات: الخضوع للحقيقة ومجاهدة النفس والهوى، وترك العادات الجاهلية المناقضة للدِّين، ونبذ الأطماع والمكاسب المتولِّدة عنها، والالتجاء إلى الله تعالى ووصاياه واتِّباع الدِّين الحق.