تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتمضي الآية في توجيه هامٍّ إلى أدب من آداب السلوك الاجتماعي، حيث ينهى الله المسلمين عن إتيان البيوت من خلفها إذا أحرموا. إذ كان العرب في الجاهلية إذا أهلُّوا بالحجِّ أو العمرة، يلتزمون ألا يحول بينهم وبين السماء حائل، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك، أي بعد إحرامه من بيته، فرجع لحاجة، لا يدخل من باب الحجرة حتَّى لا يحول سقف البيت بينه وبين السماء، فيتسنَّم ظهر بيته على الجدران، ثم يأمر بحاجته فتُخرَج له من بيته. فكانوا يرون هذا من النُسك والبرِّ، فردَّ الله عليهم ببطلان ذلك، وبيَّن أن البرَّ الحقيقي يكمن في التحلِّي بتقوى الله؛ الَّتي تلزمهُ بالتخلِّي عن المعاصي، والتحلِّي بالفضائل، واتباع الحقِّ، وعمل الخير، وفي التعامل مع النَّاس على أساسٍ من الصدق والصراحة والتفاهم دون مراوغة، والاستقامة في القول والعمل، وأن يتطابق لسان المرء مع قلبه، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «لا يستقيم إيمان عبد حتَّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتَّى يستقيم لسانه» (أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أنس رضي الله عنه ).

وتُعَدُّ هذه الآية دستوراً للمسلمين كي يصرِّفوا أمورهم بالحكمة، ويعالجوها من منطلق العقل والتفكير، ضمن قوانين الأسباب والمسبِّبات، لا من منطلق التقليد والاتباع الأعمى، أو من منطلق عاطفي أو سطحي. وهذا بدوره يقودنا إلى تتبُّع الأسباب في تفسير كلِّ ما يعرض لنا حتَّى نستطيع أن نتعايش معه ونستفيد منه، فإن لكلِّ مشكلة أو مسألة مفتاحاً، به نفتح الأبواب المغلقة وندخل. ولكي نضع أيدينا على التفسير أو الحل، يجب علينا أن لا نقصِّر في سبيل العثور على تلك المفاتيح، ليغنينا الحصول عليها عن اللجوء إلى أنصاف الحلول أو الحلول المؤقَّتة، أو أن نقتحم الأمور من غير المدخل الحقيقي لها، فنبتعد بذلك عن مضمونها وحلِّها أكثر فأكثر.

سورة العصر(103)

منهاج حياة · الصفحة ١٣٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣٣٨