ـ رفع الله تعالى السماء ضمن موازين معينة، وجعل لكلِّ أمر في هذا الكون ميزاناً، كي تصلح الأمور ويسود الانضباط والتوازن في جميع ما خلق، ولكي تتعايش البشرية ضمن الميزان الإلهي الحق. ولهذا فهو سبحانه يأمر النَّاس باستعمال ميزان الأشياء، بدقَّة واستقامة، لضمان استمرار مسيرة الحياة، بحفظ الحقوق، وأداء الواجبات.
في رحاب الآيات:
عن جابر رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: لقد قرأتها على الجنِّ ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم؛ كنت كلَّما أتيت على قوله: ﴿فبأيِّ آلاء ربِّكما تكذِّبان﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذِّب فلك الحمد» (رواه الترمذي والحاكم)، وعن الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لكلِّ شيء عروس، وعروس القرآن الرحمن» (أخرجه البيهقي في الشعب) ففي هذه السورة تعريفٌ بالله الرحمن الرحيم، الَّذي خلق الإنسان، وأهَّله لتعلُّم القرآن، وأعطاه الاستعداد للاستزادة من العلوم، والحكمة والآداب، ومعرفة قانون الأسباب والمسبِّبات. ثم إن الله عزَّ وجل عدَّد نِعمهُ على عباده، فقدَّم أعظمها نعمةً، وأعلاها رتبةً، وهو القرآن الكريم، لأنه الترجمة الصادقة الكاملة لقوانين هذا الخلق، ومنهج السماء للأرض الَّذي يصل أهلها بناموس الوجود، ويقيم عقيدتهم وتصوُّراتهم وموازينهم وقيمهم ونظمهم وأحوالهم على الأساس الثابت الَّذي يقوم عليه الكون، فيمنحهم اليسر والطمأنينة والتفاهم والتجاوب مع هذا النظام المتكامل البديع.
فمن آلاء الله أنه خلق الإنسان، وعلَّمه التعبير عما يختلج بخاطره ويدور في خلده، وهذه مِنَّةٌ كبرى لا تعدلها مِنَّة أخرى، ولكنَّ الإنسان ينسى بطول الأُلفة عظمة هذه الهبة، فيردُّنا القرآن إليها، ويوقظ عقولنا لنتدبَّرها، ونشكر المنعم عليها.