رفضت الشرائع السماوية على الدوام إعطاء القرابة الجسدية أية ميزة أو أفضلية، ما لم تكن مقرونة بقرابة روحية، مبنية على الفهم التامِّ لتعاليم الله وتطبيقها. وهذا ابن نبي؛ خرج على شريعة السماء، وأنكر نبوَّة أبيه، فلفظته القدرة الإلهية، وتركته لأمواج الطوفان تبتلعه، لأنه بسوء عمله أصبح غير مؤهَّل لينال رحمة السماء. وعلى الرغم من محاولة والده النبي، الشفاعة له عند الله، بدافع عاطفة الأبوَّة، حيث نادى ربَّه بأن ابنه من أهله، وقد وعده الله بنجاتهم وحملهم في السفينة، وإن وعد الله حقٌّ لا خُلف فيه، إلا أن الله يجيبه: يانوح إن ابنك ليس من أهلك الَّذين أمرتك أن تحملهم في الفُلك، لأنه سيِّء العمل، فقد انحلَّ الرباط بينك وبينه، ولذلك فإني لا أرضى لك أن تطلب مني أن أتجاوز عنه، وقد تساوى بعمله مع الظَّالمين الكافرين، الَّذين حقَّ عليهم العذاب؛ فلا تسأَلْنِي ما ليس من حقِّك، وأُحذِّرك أن تَضْعُفَ أمام عاطفة فيها مخالفة لأمري. ومثل ذلك أيضاً ما كان بين إبراهيم وذريَّته حيث خاطبه الله قائلاً: ﴿..قال إنِّي جاعِلُكَ للنَّاسِ إماماً قال ومِن ذُرِّيَّتي قال لا ينالُ عهدي الظَّالمين﴾ (2 البقرة آية 124) وكذلك ما كان بين نوح وزوجته ولوط وزوجته، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مثَلاً للَّذين كفروا امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ كانتا تحت عبْدَيْن من عبادِنا صالحَيْن فخانَتاهُما فلم يُغْنِياعنهما من الله شيئاً وقيلَ ادْخُلا النَّارَ مع الدَّاخلين﴾ (66 التحريم آية 10). ولابُدَّ من التنبيه هنا على أن هذه الخيانة، ليست خيانة في العرض والشرف، فهذه مستحيلة في حقِّ الرسل عليهم الصَّلاة والسَّلام، وإنما كانت خيانة هاتين الزوجتين في هجر الرسالة الَّتي جاء بها رسل الله وعدم الإيمان بها. وعلى النَّقيض من ذلك فقد كانت زوجة فرعون، مؤمنة، وزوجها طاغية لم يعرف الإيمان إلى قلبه سبيلاً، قال تعالى: {وضَرَبَ الله مثَلاً للَّذين
منهاج حياة · الصفحة ١٣٢٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٣٢٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي