تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هؤلاء الصفوة الأخيار لم يصلوا إلى تلك المكانة الرفيعة بمحض المصادفة، فالكثير من عوامِّ القلوب يظنُّون الهداية عشوائية، وكأنها ضربة حظٍّ تصيب من تصادفه في طريقها. لكنَّ الحقيقة غير ذلك، والآيات تؤكِّد أن الهداية تقتضي الإرادة والتصميم من جهة طالبها، والعمل الدؤوب، والجهاد الشاقَّ للهوى والشهوات. إنها قرار يتَّخذه، وبرنامج ينفِّذه، ودموع يسكبها، وإنابة يلتزمها، وخشوع وتضرُّع، وبذا تُفتَّح أبواب السماء أمامه نوراً وإرشاداً، وهي جنَّات في الحياة وبعد الممات، حيث يوفَّى المؤمنون أجورهم سريعاً، وتتنزَّل عليهم بركات من السماء، فيبارك الله لهم في أعمارهم وأرزاقهم وأهلهم، ويفجِّر ينابيع الحكمة من قلوبهم على ألسنتهم، فتراهم شمساً متوهِّجة تضيء ولا تحرق، ولهم في معادهم جنَّات النعيم مفتَّحة أبوابها، مضاءة قناديلها، تنتظرهم بشوق، فهي لم تخلق إلا لتكون لهم وطناً دائماً أبدياً خالداً. هؤلاء المؤمنون الشاكرون الصابرون في الحياة الدُّنيا، لن يفوتهم الثواب في الحياة الأخرى، فهم يتنعَّمون في جنَّات الخلد، ويحمدون الله على نعمه المتجدِّدة الَّتي لا تنفد. لقد توحَّدت همومهم واهتماماتهم وصبَّت في مجرى واحد، هو الرضا عن الله والشكر له في كلِّ حالاتهم، يسبِّحون الله تعالى ويقدِّسونه على جميل ثوابه وعظيم إحسانه، واللغة الَّتي تدور على ألسنتهم هي لغة ربَّانية تُشِعُّ بالسَّلام، فالله يُحيِّيهم عند لقائهم له: ﴿تحيَّتُهُم يومَ يَلْقَوْنَهُ سلامٌ وأَعَدَّ لهمْ أجراً كريماً﴾ (33 الأحزاب آية 44) والملائكة عند دخولهم الجنَّة يقولون لهم: ﴿..سلامٌ عليكم طِبْتُم فادخلوها خالدين﴾ (39 الزمر آية 73) وحوارهم بين بعضهم بعضاً ليس فيه لغو ولا كذب ولا تأثيم: ﴿لا يسمعونَ فيها لغواً إلاَّ سلاماً ولهم رزقُهُم فيها بُكْرَةً وعَشيّاً﴾ (19 مريم آية 62). فَأَكْرِمْ بها من جنان كلُّها تسبيح وتمجيد! كلُّها أُنس وسلام،

منهاج حياة · الصفحة ١٢٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٢٥٥