تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يالَلعجب العُجاب!! كيف ينقلب الصديق إلى عدوٍّ في الدار الآخرة؛ بعد أن كان يسعى في حياته إلى هذه الصداقة بكلِّ قوَّته، ويقوم بتدعيمها بشتَّى الوسائل، طلباً للمنفعة والمتعة الَّتي كان يجنيها من خلالها؟ والجواب يكمن في معرفة الأسس الَّتي كانت تقوم عليها هذه الصداقة، وأوجه الانتفاع بها. فإذا كانت أرضية هذه الصحبة تقوم على اللهو وتحقيق الشهوات، وانغماس في الملذَّات المحرَّمة والأمور الدنيوية، فإنها تورث الغفلة عن الله وعن رسالة السماء، والضياع في بحار الجهل والمعاصي، فتنقلب على أهلها شراً وخُسراناً يوم القيامة؛ فإذا أُوقفوا ليحاسبوا على ما اقترفته أيديهم، وعُرضت عليهم أعمالهم، شعر واحدهم بالندم الحقيقي لاستجابته لقرناء السوء. مثلهم في ذلك كمثل المجرمين الَّذين دعا بعضهم بعضاً إلى ارتكاب جريمة قتل، وعمل كلٌّ منهم ما في وسعه تنكيلاً بتلك الضحية، فإذا ما وقفوا أمام القاضي وقد أحضر لكلٍّ منهم دليل إدانته، رمى بعضهم بعضاً، وشتم بعضهم بعضاً، فتقطَّعت كلُّ وشائج المودَّة والصحبة الَّتي كانت تربط بينهم عندما كانوا طلقاء. في تلك اللحظة يستميت المجرم في محاولته تبرئة ساحته أمام محكمة ربِّ العالمين متَّهِماً أصحاب السوء بالتأثير عليه، ولكن دون جدوى، ويردُّ الآخرون دعواه بنفي التهمة عنهم، بل ويحاولون إلصاق التهمة به، وتتفجَّر العداوات، ويستعر الغيظ بينهم، ولكن عدل الله تعالى قائم، لينال كلُّ امرئ ما يستحقُّه من العقاب أو الثواب، قال تعالى: ﴿قال لا تختصموا لديَّ وقد قدَّمتُ إليكم بِالوَعيد * ما يُبَدَّلُ القولُ لديَّ وما أنا بِظلاَّمٍ للعبيد * يوم نقول لجهنَّم هل امتلأتِ وتقول هل من مزيد﴾ (50 ق آية 28ـ30).

منهاج حياة · الصفحة ١٢٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٢٣٤