لقد قيل الشيء الكثير عن الصداقة والصحبة، وشُبِّهتا بالكنز الَّذي يسعف الإنسان في حال الحاجة والشدَّة والأزمات، وأن الصاحب الحقيقي لا يتخلَّى أبداً عن صاحبه، فيلبِّيه كلَّما دعاه، ويُؤنسه في لحظات الوحشة، ولكنَّ هذه القيم الدنيوية تنهار يوم القيامة، فلا يفكر غير المؤمن إلا بنجاة نفسه، وإنقاذها من عذاب رهيب. إن النَّاس يوم القيامة في همٍّ شاغل، لا يدع لأحدهم مجالاً أن يتلفَّت حوله، ولا يجد فُسحة في شعوره لغيره، فلقد قطع الهول المروِّع جميع الوشائج، وحبس النفوس على همٍّ لا تتعدَّاه. ولكن أن يأخذ الرعب من المجرم كلَّ مأخذ، حتَّى يتمنَّى لو يُعذَّبُ أولادُه وفلذات أكباده بدلاً عنه، فهذا شيء يفوق الخيال، لا بل إنه يتمنَّى أن تعذَّب زوجته وشريكة حياته، الَّتي أفنت حياتها لإسعاده، أو أخوه وأقرب النَّاس إليه، أو رفيق عمره في المنشط والمكره. وإذ لا يجدي كلُّ ذلك نفعاً، يتمنَّى لو يعذَّب بنو قومه بدلاً عنه، ويفتدونه من هذا العذاب، بمن فيهم أبواه وأهله وعشيرته، فلا مانع لديه أن يقاسوا العذاب المؤلم بدلاً عنه، لا بل حتَّى أهل الأرض جميعاً، ليدخلوا جهنَّم داخرين مقابل أن ينجو هو، ولعمري إن هذا لعجب عُجاب؛ فهو لم يكتف بما أساء إلى النَّاس في الحياة الدُّنيا، وعاث فيهم فساداً، متعدِّياً على حقوقهم، وهو يزيد اليوم بأن يتمنَّى لهم جميعاً العذاب ليكونوا فداءً له، إنها أخلاق المجرم تلازمه في حلِّه وترحاله، وفي دنياه وآخرته.
منهاج حياة · الصفحة ١٢٢٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٢٢٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي