تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تتحفَّز ولا تحتشد للدفاع عنه.

ثم إن هناك التربية الوجدانية والتدريب العملي والمشاعر المصاحبة لهما، والَّتي ينشأ عنها النصر أو الهزيمة، وسواء في ذلك الأمل أم الألم، وكلُّها ضرورية للأمَّة الَّتي تحمل الدعوة. من أجل هذا كلِّه، ومن أجل غيره ممَّا يعلمه الله، جعل الله دفاعه عن الَّذين آمنوا يتمُّ بواسطتهم هم أنفسهم، ولم يجعله منحة تهبط عليهم من السماء بلا عناء. على أن النصر قد يبطئ على الَّذين ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا: ﴿ربُّنا الله﴾ وهذا الإبطاء يكون لحكمة يريدها الله تعالى؛ وهي أن بنية الأُمَّة المؤمنة لم تنضج بعد، فلو نالت النصر حينئذ لما استطاعت أن تحافظ عليه؛ لعدم قدرتها على حمايته طويلاً. وقد يبطئ النصر حتَّى تجرِّب الأمَّة كلَّ قواها، وتدرك أن هذه القوى وحدها، دون سند من الله، لا تكفل لها النصر، فتبذل ما في وسعها ثمَّ تَكِلُ الأمر إلى الله. وقد يبطئ أيضاً لتزيد صلتها بالله، أو لأنها لم تُخلص النية في كفاحها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحقِّقه، أو حَمِيَّة لذاتها، أوشجاعة أمام أعدائها، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئاً ممَّا يمكن أن يداخله من العُجْب والاستعلاء: «سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حَمِيَّةً، والرجل يقاتل شجاعةً، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فأيُّها في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ). وقد يبطئ النصر لأن في الأمر الَّذي تكافحه الأُمَّة المؤمنة بقيَّةً من خير، ويريد الله أن يجرِّد الشرَّ منها، لِيذهب وحدَهُ هالكاً، ويبقى الخير. أو لأن الشرَّ الَّذي تكافحه لم ينكشف زَيفه للناس بَعدُ، فلو غلبه المؤمنون حينئذ لوجد له أنصاراً من المخدوعين به، والَّذين لم يقتنعوا بعدُ بفساده وضرورة زواله، فتظلُّ له جذور في نفوس الأبرياء

منهاج حياة · الصفحة ١١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١١٥٤