وقد وُجد أشباه هؤلاء المنحرفين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وبَنَوْا لأنفسهم مسجداً تحت سمعه وبصره، وقد اشتُهِرَ باسم مسجد الضِّرار، لأنهم جعلوا منه وِكْراً ومركزاً يجتمع فيه معارضو الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيدبِّرون المكائد الشرِّيرة والضرر ضد الإسلام والمسلمين، بغية تفريق المؤمنين وتمزيق وحدتهم، وتقوية الكفر وتسهيل أعماله، والتَّشاور فيما بينهم للكيد لرسول الله والطعن به وبصحابته، واستقطاب كلِّ من حارب الله ورسوله حيث يجد في ذلك المسجد مقرّاً له، وقوماً مستعدِّين للتحالف معه. والهدف من ذلك كلِّه هو تفريق المسلمين والحيلولة دون اجتماعهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد واحد، كي لا يتمَّ لهم حصول التعارف والتآلف والتعاون وجمع الكلمة، فيكون نواةً لتحقيق مقاصد الإسلام الاجتماعية. إن هذه الحركة النفاقية الخبيثة لم تصرِّح عن هدفها جهاراً، بل راحت تستر غاياتها الهدَّامة بمظهر إسلامي كي تموِّه باطلها بقناع محبَّب جميل. ولكنَّ الله الَّذي لا تخفى عليه خافية، والَّذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم وحيداً في هذه المعركة، بل أيَّده بروح القدس جبريل، ويهبط الوحي الأمين فيعرِّيهم، ويكشف بُرْقُعَ ادعائهم للإسلام، ويفضح حقيقة الكفر الكامن في أعماقهم، لذلك يَأمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم بهدم مسجدهم، ولو فعلها غيره لقامت الدنيا ولم تقعد، ولكن فعلها الَّذي يحرص كلَّ الحرص على سلامة البناء الداخلي للمسلمين، ويعلم بوحي الله تعالى أين تكمن مصلحتهم، ولو كانت في هدم بناء يَتَّخِذ اسم المسجد. فوجود المنافقين شريحةً في المجتمع الإسلامي أمر طبيعي، لأن الإسلام على الرغم من عظمته ونصاعته ووضوحه،لم تتقبله جميع القلوب بمستوى فعَّال واحد، فبعضها دخل الإسلام إليها ونجح في قلب تربتها، واقتلَعَ أشواكها وزرع مكانها ورداً وريحاناً، وبعضها الآخر كان صلداً
منهاج حياة · الصفحة ١٠٩٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٠٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي