النداء مُوجَّه إلى المؤمنين حصراً، لأن القلب الفارغ من الإيمان لا جدوى من مناداته، فهو أَصَمُّ لا يسمع، وأعمى لا يُبصر، من أجل ذلك نرى الله عزَّ وجل ينادي عباده بهذا النداء المحبَّب: ﴿ياأيُّها الَّذين آمنوا﴾ لأن فيه لمسة قدسية لقلوبهم، واستثارة للصلة الَّتي تربطهم به، وباسم هذه الصلة يدعوهم إلى تقواه. فعندما يتَّقي المرء ربَّه ويحاذر كلَّ ما يبعده عنه يزداد قرباً منه، وهو قُرب معنوي ليس بالمادِّي. واقتراب العبد من ربِّه يعني تحلِّيه بالصفات القويمة الَّتي يحبُّها الله، واقتراب الله من العبد يعني إنزال رحمته وبركته على قلبه، وجعله مهبطاً للنور الإلهي. هذا النور الَّذي يحرِّك عقل المؤمن ليميز الصواب من الخطأ، ويحرِّك قلبه ليصبح منارة تنأى به عن طريق الشر، وتدلُّه على طريق الهدى، وتهديه سواء السبيل. وتقترن الدعوة إلى تقوى الله بالدعوة إلى الإيمان برسله جميعاً، وهي دعوة موجهة إلى أهل التوراة والإنجيل، لأن يتَّقوا الله بأداء طاعته واجتناب معاصيه، وأن يؤمنوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم حقيقة الإيمان، وما ينبثق عن ذلك من آثار إيجابية، ليعطيهم الله نصيبين من رحمته، وهو تعبير بديع، فرحمة الله لا تتجزأ، وبمجرَّدِ مَنْحِها لإنسان يلمس حقيقتها. ولكنَّ هذا التعبير فيه زيادة امتداد وشمول للرحمة، وزيادة فيض من رحمة الله لإيمانهم بالأنبياء قبل محمَّد صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ إيمانهم بمحمَّد بعد أن بُعث نبياً، وزيادة في العطاء بأن يجعل الله لهم هدى يستبصرون به من العمى والجهالة، وهي هبة يودعها الله القلوب الَّتي تستشعر تقواه، وتؤمن برسله حقَّ الإيمان، هبة تنير تلك القلوب فتشرق، وتظهر لهم الحقيقة من وراء الحجب والحواجز فلا تلتوي بهم الطريق.
منهاج حياة · الصفحة ١٠٧٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٠٧٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي