تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي خلاصة الحقيقة الرفيعة الَّتي يقوم عليها الإسلام، والَّتي تقررها هذه الآية من القرآن الكريم. وهذه الحقيقة تسمو بالعلاقات البشرية من مُجرَّد كونها علاقة دم أو نسب أو جنس أو وطن أو تجارة، إلى جعلها علاقة قوامها الصلة بالله، في ظلِّ عقيدة واحدة، تنصهر فيها الأجناس والألوان، ويتلاشى فيها اعتبار الزمان والمكان، ولا تبقى إلا العروة الوثقى الَّتي تشدُّ الإنسان إلى منهج الخالق الديَّان. ومن ثمَّ فالآية الكريمة تنهى المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى، لبيان حكمة نزول الرسالة الجديدة، والكشف عما بينها وبين الرسالات الَّتي قبلها من صلة، والدعوة إلى تبادل الحوار حول ضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة الله الموافِقة لما قبلها من الدعوات والمكمِّلة لها، والَّتي جاءت من عند الله الحكيم، العليم بحاجة البشر، فيكون ذلك الحوار مرحلة أوليَّة لبناء مجتمع إيماني لَبِنَتُهُ التوحيد، يُظِلُّ قوى الإيمان ويحميها من المشركين والملحدين والمنافقين على السواء. هذا الحوار الَّذي يرفضه ـ جملة وتفصيلا ـ بعض المتعصَّبين المتشدِّدين؛ أصحاب العقول المتحجِّرة، والقلوب الصلدة القاسية، علَّمه الله لرسوله؛ آيات تتلى إلى يوم الدِّين، وبأسلوب بناَّء حكيم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمواتِ والأَرضِ قُلِ الله وإنَّا وإِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَو في ضَلالٍ مُبين * قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا ولا نُسئَلُ عَمَّا تَعْمَلُون * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنَا ثمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وَهْوَ الفَتَّاحُ العَلِيم﴾ (34 سبأ آية 24 ـ 27). إنه حوارٌ بعيد عن التعالي والصلف، غايته كسب ودِّ القلوب الحائرة؛ عساها تلين وتخشع لذكر الله وما نزل من الحقِّ، بدل أن تزداد غربة وهروبا.

منهاج حياة · الصفحة ١٠٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٠٣٣