وتختم الآية تلك المقدِّمة القرآنية الشاملة؛ ببيان المهتدين الَّذين يتوجَّه إليهم نداء القرآن العظيم، فهم أولئك الَّذين أشرقوا روحياً بالصَّلاة، وانتظموا مادِّياً بالإنفاق، واستقاموا عقيدياً بالإيمان بالرسالات السماوية، والتزموا سلوكياً بهدي اليقين بالآخرة، وأولئك هم المهتدون المفلحون الَّذين ينتفعون بالقرآن العظيم. وكأني بهذه الآيات الأربع تحدِّد شروط الانتساب إلى جماعة المتقين الَّذين تعلموا القرآن وعملوا به، فكانوا من الناجحين الفائزين في الدنيا والآخرة، وكأني بها تَرُدُّ على المصلي الَّذي يتضرع إلى ربِّه في صلاته قائلاً: ﴿اهدنا الصِّراط المستقيم * صِراط الَّذين أنعمت عليهم غير المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِّين﴾ (1 الفاتحة آية 6ـ7) فَتُبَيِّنُ له: إنْ كنتَ صادقاً في دعائك وتضرُّعك فهاك هو الصراط المستقيم، وهاهي الصفات الَّتي يجب أن تتحلى بها لتكون من المفلحين الفائزين بنيل ما طلبوا.
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: ﴿ليسَ البِرَّ أن تُولُّوا وُجوهَكُم قِبَلَ المشرقِ والمغربِ ولكنَّ البِرَّ من آمنَ بالله واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنَّبييِّنَ وآتى المالَ على حُبِّهِ ذوي القُربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السَّبيل والسَّائلينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاة وآتى الزَّكاةَ والموفونَ بعهدهم إذا عاهدوا والصَّابرينَ في البأساءِ والضَّرَّاءِ وحينَ البأسِ أولئكَ الَّذين صَدَقُوا وأولئكَ هم المُتَّقونَ(177)﴾
ومضات:
ـ البِرُّ الحقيقي يتعالى فوق الوجهة المكانية، لأنه تجسيد للإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل، والعمل بمقتضى هذا الإيمان عمل تعود ثماره بالمحبَّة والعدالة والعلم والقوَّة على الناس أجمعين.