فَبَلَغَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا الْكَلَامُ فَتَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَبْكِي(1) رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أتُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَةِ؟!
فَطَيَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطِرَهُ وَقَالَ: « أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي »(2).
قَالُوا: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تَرْضى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلةِ هَارُونَ مِن مُوسَى » دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ هَارُونَ هُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ مُوسَى لَمَّا خَرَجَ لِِمِيقَاتِ رَبِّهِ، فَعَلِيٌّ هُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذَا بَاطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: إِنَّ هَارُونَ لَم يَخْلُفْ مُوسَى بَلِ الْمِشْهُورُ أَنَّ هَارُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تُوُفِّيَ قَبْلَ مُوسَى بِسَنَةٍ(3).
الثَّانِي: إِنَّ هَارُونَ بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ لَمَّا خَرَج مُوسَى لِلِقَاءِ رَبِّهِ وَمَعَ هَارُونَ الْعَسْكَرُ وَالْجَيْشُ وَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ بَعْضُ الرِّجَالِ لِلِقَاءِ رَبِّهِ
(1) « مُخْتَصر تَارِيخ ابْن عَسَاكِر » (17/345).
(2) « صَحِيح الْبُخَارِيِّ »، كِتَاب فَضَائِل الصَّحَابَة، بَاب مَنَاقِب عَلِيّ، حَدِيث (3706)، « صَحِيح مُسْلِم »، كِتَاب فَضَائِل الصَّحَابَة. بَاب مِنْ فَضَائِل عَلِيّ حَدِيث 2404 دُون أن تذكر تفاصيل الْقِصَّة عِنْدهما.
(3) « تَاريخ الطَّبَرِيِّ » (1/304)، « الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة » (1/297).