وبهذا تبين أن الخلف لفظي بين الماتريدية والمحققين من الأشاعرة القائلين بالامتناع وبين باقي الأشاعرة القائلين بالجواز في هذا الخلاف وما انبنى عليه هذا الخلاف وبينهم جميعاً وبين المعتزلة لفظي بالنظر لهذا الخلاف معنوي بالنظر لمبناه فإن المعتزلة يبنون قولهم بالامتناع على أصلهم من وجوب الأصلح عليه تعالى لأن الخلاف في هذا المبنى خلاف يرجع إلى العقائد والبحث فيه يتعلق بعلم الكلام وأما هذا الخلاف فهو يرجع إلى الأحكام التكليفية الفقهية ولاتفاقهم جميعاً على عدم وقوعه يكون هذا الخلاف فليس له ثمرة فقهية ويدل على هذا قول الخير أبادي اعلم أن الطلب الحقيقي يقتضي تصور وقوع المطلوب بطلب المحال أن كان إيقاعيا اقتضى تصور وقوع الفعل البتة وإن كان ابتلائيا لمجرد التعجيز مثلاً فلا يقتضي تصور وقوع الفعل كما طلب بل إنما يقتضى تصوره بوجه ما لا لإدخاله في الوجود حتى يلزم تقدم تصور وقوعه بل للابتلاء والتعجيز عنه فالمجوز تكليف المستحيلات أن أراد التكليف بها ابتلاء فلا يضره هذا الاستلال وإن أراد التكليف بها إيقاعا فهو باطل بهذا الاستدلال فتأمل اهـ وقد علمت أن المجوز لتكليف المستحيلات إنما أراد الابتلاء والتعجيز ولم يرد التكليف إيقاعا فهو يسلم باستحالة هذا التكليف الحقيقي ودليله غير تام على امتناع التكليف الصوري وهو لا يمنعه على هذا الوجه فهذا أيضاً صريح في أن الخلاف لم يتوارد فيه النفي والإثبات على موضوع واحد وإن ال قائلين بالجواز أرادوا التكليف للابتلاء والتعجيز ومن قالوا بالامتناع أرادوا التكليف لطلب الإيقاع وكان هذا الخلاف لفظياً بين الجميع بلا ريب ففكر فإن البحث دقيق.
(