وهذا يفيد أن الدليل لا يتم على منع التكليف الصوري وهو ما كان للابتلاء والتعجيز لا لطلب الإيقاع وعلى ذلك يكون حاصل الخلاف إن جميع الأوامر التي وردت وكان ظاهرها التكليف بالمحال نحو كونوا قردة أو كونوا حجارة ولكن لم يقصد ذلك هل تسمى صيغ تكليف نظراً لهذا الظاهر وهذه الصورة أولاً تسمى بذلك مع اتفاق الجميع على جواز ورود مثل هذه الصيغ واتفاق الجميع على أنه لا يجوز أن يقصد منها استدعاء المطلوب ويطلب حصوله من المكلف وحينئذ يكون قول إمام الحرمين توفيقاً بين قول الجواز والامتناع بأن يحمل القول بالجواز على هذا التكليف الصوري والقول بالامتناع على التكليف الحقيقي الذي يقصد به طلب إيقاع المطلوب في الخارج من المكلف ويدل لذلك أن القائلين بالجواز عللوا ذلك بأن الأحكام لا تستدعي أن يكون الطلب للامتثال بالإيقاع لجواز أن يكون لمجرد اعتقاد حقيتها والإذعان للطاعة لو أمكن وإن القائلين بالامتناع قالوا في بيان ذلك أن التكليف على نحوين: أحدهما حقيقي وهو عبارة عن قيام معنى الطلب إلى آخر ما سبق. والثاني صوري وهو عبارة عن أن يتلفظ إلى آخره فإن استدلال كل من الفريقين على هذا الوجه يقتضي أن الخلاف لم يتوارد فيه النفي والإثبات على شيء واحد من جهة واحدة واعتبار واحد بل الذين أجازوه إنما أجازوه من جهة اعتقاد الحقية والإذعان للطاعة لو أمكن وبهذا الاعتبار ولم يجوزوا من جهة أن الطالب قصد إيقاع المطلوب من المكلف وهو يعلم أن المطلوب إيقاعه منه مستحيل لا يمكن إيقاعه والذين منعوه إنما منعوه من الجهة الثانية وباعتبارها لا من الجهة الأولى واعتبارها ويدل لذلك ما قدمه الأسنوي أيضاً من أن البيضاوي استدل على مختاره بأنه إنما يمتنع الأمر بالمستحيل إذا كان غرض الآمر حصول المأمور به وحكمه تعالى لا يستدعي غرضاً البتة لاستغنائه فليس الأمر للطلب كما نقله إمام الحرمين في الشامل إلى آخر ما قدمه الأسنوي.
ج 1 · الصفحة ٣٨٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ج 1ص ٣٨٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي