) قال الأسنوي «هذا الدليل لا يتوجه على المعتزلة إلى آخره» أقول كما أن المعتزلة يمنعون هذه القاعدة فجميع الفرق ما عدا نقاة القياس يمنعونها لما قدمناه وقدمه الأسنوي أضا من أن الحق أن أحكامه تعالى معللة بالأغراض ومصالح العباد على المعنى الذي بيناه سابقاً فهو دليل لا يرضاه صاحب الدعوى كما لا يتوجه على خصمه والقول بأنه إذا كان ممتنعاً لذاته فالأمر به للإعلام بأنه معاقب لا محالة إلى آخره غير سديد لأن الإعلام بما ذكر لا يصلح فائدة متى قلنا إن الله يعذب من يشاء فإن له ذلك بدون هذا التكليف فلا يليق بالحكيم أن يأمر بما يعلم استحالته لذاته وأنه غير داخل فيما تتعلق به القدرة الحادثة وأما القول بأنه إن كان ممتنعاً لغيره فالأمر به إلى آخره فقد علمت أنه لكونه مما تعلق به القدرة الحادثة ولكن منعته العادة قالت الحنفية بجواز التكليف به عقلاً لما ذكر من فائدة الأخذ في المقدمات ولكنه لا يجوز شرعًا بل هو مستحيل شرعًا لإخبار الله تعالى في الآيات بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والمعتزلة منعوه وبنوا المنع على أصلهم كما بنوا المنع في القسم الأول على ذلك ولذلك قال صدر الشريعة في تنقيحه وتوضيحه ثم عندنا عدم الجواز أي عدم جواز التكليف بما لا يطاق ليس بناء على أن الأصلح واجب على الله تعالى خلافاً للمعتزلة بل بناء على أنه لا يليق بحكمة الحكيم وفضله انتهى وذلك لأن الابتلاء إنما يتحقق فيما يفعله العبد باختياره فيثاب عليه أو يتركه باختياره فيعاقب به وإذا كان بحال لا يمكن وجود فعل منه كان مجبورا على تركه فيكون معذوراً فلا يتحقق معنى الابتلاء وحكمة التكليف ويكون الأخذ في المقدمات مع قطع المكلف بأنها لا توصل إلى الفعل لا يحقق بها معنى الابتلاء المذكور.
(