فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ»: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الزِّمَّانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَارِثِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَيْلَمَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْأَفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي الإِسْلامِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ».
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ مِثْلَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الضَّعْفِ، أَوْ أَضْعَفَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلَيْنِ اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى ضَعْفِهِمَا، وَهُمَا الْحَارِثِيُّ وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ.
فَأَمَّا الْحَارِثِيُّ، فَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الْقَلانِسِيُّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَيْلَمَانِيُّ، فَقَالَ الإِمَامُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمَا: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: الضَّعِيفُ عَلَى حَدِيثِهِ بَيْنٌ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، كَانَ مِمَّنْ أَخْرَجَتْ لَهُ الأَرْضُ أَفْلاذَ كَبِدِهَا، حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ بِنُسْخَةٍ شَبِيهًا بِمِائَتَيْ حَدِيثٍ كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ، لا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهِ وَلا ذِكْرُهُ فِي الْكُتُبِ إِلا عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ.
حَدِيثُ أَبِي مِحْجَنٍ شَاذٌّ
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِى مِنْ حَدِيثِ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ أَيْضًا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي «كِتَابِ الاسْتِيعَابِ» (1/ 16): وَفِيمَا رَوَاهُ شَيْخُنَا عِيسَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدَانَ الْمُقْرِئُ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ (ح) وَأَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ أنا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْعَامِرِيُّ بِالْكُوفَةِ ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ثَنَا أَبُو سَعْدٍ الأَعْوَرُ يَعْنِي الْبَقَّالُ وَكَانَ مَوْلَى لِحُذَيْفَةَ قَالَ: ثَنَا شَيْخٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، يُقَالُ لَهُ أَبُو مِحْجَنٍ أَوْ مِحْجَنُ بْنُ فُلانٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَرْأَفَ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَقْوَاهَا فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهَا عَلِيٌّ، وَأَقْرَؤُهَا أُبَيٌّ، وَأَفْرَضُهَا زَيْدٌ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ».
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الإِسْنَادَ أَيْضًا ضَعِيفٌ، لا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهِ. وَأَبُو مِحْجَنٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِالرِّوَايَةِ. وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمُّوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: تَرَكَ أَبِي حَدِيثَ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ: مَا رَأَيْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَمْلَى عَلَيْنَا إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا حَدِيثَ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ، قِيلَ لَهُ: لِمَ قَالَ بِضَعْفِ أَبِي سَعْدٍ عِنْدَهُ. وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، زَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ لا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْءٍ وَكَانَ أَعْوَرَ، وَكَانَ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفََلاَّسُ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَيِّنُ الْحَدِيثِ مُدَلِّسٌ، قِيلَ: هُوَ صَدُوقٌ، قَالَ: نَعَمْ، كَانَ لا يَكْذِبُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.