فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل ولم يسوءني! فقطع الحسن عليهما الكلام، وأقبل على أبي موسى فقال له: لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء! قال: صدقت، بأبي أنت وأمي! فإن المستشار مؤتمن (1)، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنها تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب)) (2)، وقد جعلنا الله إخواناً، وحرم علينا دماءنا وأموالنا، فغضب عمار وقام فقال: يا أيها الناس إنما قال له وحده ((أنت فيها قاعداً خير منك قائماً)).
فقام رجل من بنى تميم وقال: أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا (3)!
[وصول خطاب من أم المؤمنين فضاعف من حيرة الناس]: وثار زيد بن صوحان وأمثاله، وثار الناس وقام زيد على باب المسجد، ومعه كتاب من عائشة إليه تأمره بملازمة بيته أو نصرتها، وكتاب إلى أهل الكوفة بنفس الأمر، فأخرجهما فقرأهما على الناس (4).
[أبو موسى: إلزموا بيوتكم]: وتجمع ا لناس، فقام أبو موسى فقال: أيها الناس أطيعوني والزموا بيوتكم، خلوا قريشاً إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم، أطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها، وتكلم بعد ذلك آخرون فلم يزيدوا إلا اختلافاً وشقاقاً (5).
[أتكلم الحسن فخرج معه تسعة آلاف]: وقام الحسن رضي الله عنه فقال: أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا ا لأمر من ينفر إليه، ووالله
(1) المستشار مؤتممن: حديث رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أنه: أمين على ما استشير فيه.
(2) هذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصجابة، فقد رواه البخاري عن [أي هريرة في الحديثين 6654، 655، ورواه مسلم عن أبي هريرة وأبي بكرة، وروى الترمذي عن ابن سعد نب أبي وقاص قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ستكون فتنة ... )).
(3) ابن عمر: الفتنة 139، 140 –الطبري: تاريخ الرسل 4/ 482 –ابن الأثير: الكامل 3/ 116 وما بعدها –ابن كثير: البداية والنهاية 7/ 257.
(4) ابن الأثير: المصدر السابق نفس الجزء 117.
(5) ابن عمر: المصدر السابق 141.