مليا (1) وثاب إليهم الناس إلى قبائلهم، وأتى أصحاب عائشة إلى ناحية بيت المال وباتوا يتأهبون، وبات الناس يأتونه واجتمعوا بساحة دار الرزق (2).
أصبح عثمان فهجم عليهم، وخرج حكيم فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زالت، وقد كثر القتل في أصحاب ابن حنيف، وفشت الجراحة في الفريقين، ومنادى عائشة يناشدهم ويدعوهم إلى الكف فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضتهم الحرب نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح، فأجابوهم و توا دعوا وكتبوا بينهم كتابا (3).
*والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك:
وأقبل جارية بن قدامة السعدي (أسم رجل) فقال: يا أم المؤمنين، والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة، فهتكت سترك وأبحت حرمتك، إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك، وإن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس. وخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير، فقال: أما أنت يا زبير فحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك، وأرى أمكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شيء، واعتزل (4).
وتعليقا على قول جارية إنه الحب والتقدير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأم المؤمنين، وإنه رأى الأمر بعاطفة الحب نحو النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين- رضي الله عنها- إلا أنه لم يدرك أن خروجها لجمع الشمل وتوحيد الصف في البصرة التي خرج منها من خرج واشتركوا في قتل الخليفة، وكان اصطحاب طلحة والزبير
(1) ملياً: زمناً طويلاً.
(2) ابن عمر: الفتنة 124، 125 –الطبري: المصدر السابق نفس الجزء 464، 465 –ابن الأثير: المصدر السابق نفس الجزء 109.
(3) الكتاب: كما ذكره ابن جرير وغيره، هو: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير وممن معهما من المؤمنين والمسلمين، وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين، أن عثماناً يقيم حيث أدركه الصلح على ما في يديه، وأن طلحة والزبير بيقيمان حيث أدركهما الصلح على ما في أيديهما.
(4) ابن عمر: الفتنة: 125 –الطبري: تاريخ الرسل 4/ 465 –ابن الأثير: الكامل 3/ 109.