فتكلمت عائشة فحمدت الله وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان رضي الله عنه ويزرون (1) على عماله، ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، ويرون حسنا من كلامنا في إصلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا ونجدهم فجرة غدرة كذبة، وهم يحاولون غير ما يظهرون، فلما قدروا على المكاثرة كاثروه، فاقتحموا عليه داره، واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام، والبلد الحرام، بلا ترة ولا عذر، ألا إن فيما يبغي- لا ينبغي لكم غيره- أخذ قتلة عثمان رضي الله عنه، وإقامة كتاب الله (2).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (3).
*رد الفعل في معسكر عثمان:
فافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين. فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقالت فرقة خلاف ذلك فتحائوا وتحاصبوا وأرهجوا (4)، فلما رأت عائشة ذلك انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف، حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين، وبقي أصحاب عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا ومال بعضهم إلى عائشة (5).
وأقبل حكيم بن جبلة- من قتلة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه- وهو على خيل ابن حنيف فأنشب القتال فأشرع أصحاب عائشة رماحهم وأمسكوا ليمسك حكيم وأصحابه، فلم ينته ولم ينثن، وأصحاب عائشة كافون إلا ما دافعوا عن أنفسهم، ثم اقتتلوا على فم السكة، وأشرف أهل الدور ممن كان له في أحد الفريقين هوى فرموا في الأخرى بالحجارة، وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا بها
(1) يزرون: يعيبون.
(2) الطبري: تاريخ الرسل 4/ 463، 464 –ابن العربي: العواصم 154 –ابن الأثير: الكامل 3/ 108، 109.
(3) سورة آل عمران آية: 23
(4) أرهجوا: أثاروا الغبار.
(5) وبقي بعضهم مع عثمان بن حنيف على فم السكة.