تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي دعاني إلى بسط هذه العبارات، هو أنّنا حتّى هذه اللحظة ما أنصفنا علماءَنا المخلصين، وتنكّرنا لهم باسم الحداثة والتّقدّميّة، بل وصفناهم بالرّجعيّة والثّرثرة الأخلاقيّة، بحجّة أنّهم كانوا حصونًا راسخاتٍ في الحفاظ على مقوّمات حضارتنا وبيان ثرائها ونصاعتها .. ولو كانوا أبواقًا لخواجات المستشرقين ومراكز التّجهيل والتّضليل، لباتوا بذلك عباقرةَ القرن وسدنةَ العلم يُشار إليهم بالبنان.

أوّلاً: حياة الأستاذ سعيد الأفغاني وسيرته

مولده ونشأته:

ولد الأستاذ سعيد الأفغاني· في أحد أحياء دمشق القديمة المحيطة بالجامع الأموي سنة 1909 م، وقد كان والده (محمد جان) [1] رجلاً من الصالحين، هاجر من بلده (كشمير) ميمّمًا شطر بلاد الشام، واستقرّ به المقام في دمشق، وراح يعمل فيها عملاً متواضعًا، وكان الناس يدعونه بالأفغاني وما هو من بلاد الأفغان.

تزوّج والده في دمشق من عائلة (الأبيض)، ورُزق بسعيد وأخت له، ثمّ ماتت زوجه وعُمْر سعيد ثلاث سنوات، ليعيش بعيدًا عن حنان أمّه ورعايتها، ما حدا بوالده أن يقف حياته لولدَيْه مربّيًا وبهما رؤوفًا ولهما معلّمًا، فنشأ سعيد في كنفه رحمهما الله نشأة علم وطلب، يقول عن والده [2]: "كان والدي يصطحبني إلى المسجد الأموي بين المغرب والعشاء، فنحضر حلقة درس ثمّ صلاة العشاء ... "، في فترة من أحلك الفترات التي مرّت بها بلاد الشام، وشهدت انحسار الدولة العليّة العثمانيّة، على أيدي جماعة الاتّحاد والتّرقّي ذات المشارب اليهوديّة.

التحق الأفغاني بمدرسة (الأمينية و الإسعاف الخيري) [3]، وكان في السابعة من عمره آخر العهد التركي، ثم دخل الدراسة الابتدائية في التاسعة من عمره سنة 1918 في الحكم الفيصلي، ومنذ سنة 1919 ترافق مع قرينه علي الطنطاوي عند الشيخ صالح التونسي وفي مجالس الشيخ محمد بن بدر الدين الحسني [4]، وهي السنة التي أنشأت فيها الحكومة العربية دروسًا لمواطني الدولة، هدفها تقوية لغتهم العربية والارتفاع ببيانهم [5].

وكان لهذه المجالس أثر طيب في بناء شخصيته وتكوين ثقافته وظهور نبوغه، خصوصًا وأنها مرحلة حرجة في تاريخ الدولة، إذْ قامت الدعوات التحررية والإصلاحية ردَّ فعْلٍ على الدعوات الطّورانية والإقليمية بين أجناس الدولة المختلفة، مما دفع بهم أن يتدافعوا لمتابعة الأخبار من الكتب والاعتكاف عليها، يقول الأفغاني في حديث له عن الشيخ محمد رشيد رضا [6]: "ليس المرحوم الشيخ محمد رشيد رضا بالمجهول عنّا اليوم، قرأنا تفسيره وفتاواه وبحوثه في مجلة المنار منذ نعومة أظفارنا".

ثم دخل الدراسة الثانوية بين سنتي (1923 - 1928) في مدرسة (التجهيز ودار المعلمين) [7]، وكان من أساتذة العربية فيها: الشيخ عبد الرحمن سلاّم، والشيخ محمد سليم الجندي، والشيخ محمد الداوودي، والشيخ أبو الخير القوّاس، والأستاذ الشاعر محمد البزم، الذين كان لهم أثر كبير في إحداث نقلة في عقول الطلاب، خاصة وأن العربية كانت تسابق الزّمن على أيدي هؤلاء في الوقوف أمام الهجمات الشرسة ضدها، يقول الأفغاني [8]: "وعلى جهود هؤلاء وأمثالهم في بقية المدن الشاميّة ارتفع لواء اللغة العربية في الشام وحمله من بعدهم تلاميذهم".

وقد بلغ من غيرتهم على العربية أنّ أحدهم وهو الأستاذ الجندي، كان ينهى تلاميذه عن كتب المنفلوطي وشعر شوقي وحافظ لأنها برأيه تفسد اللغة، يقول الأستاذ سعيد [9]: "إني والله لا أزال أذكر قوله هذا ونحن في الصّف التاسع، وقد جرح بذلك شعورنا لكثرة ما كنّا نحبّ المنفلوطي".

لذلك ليس من عجب أن تجد أحدهم وقد انتهى من الثانوية، ولديه قدرة فائقة في التدريس تضاهي اليوم من يتخرّجون في المراحل الجامعية الأولى بل ويزيد. يقول الأستاذ سعيد [10]: " وأذ كر أننا ونحن طلاب كنا نلتهم مؤلفات طه حسين وأحمد أمين والزّيات والرافعي والعقاد والمازني وهيكل، كما نتخاطف أعداد (السّياسة الأسبوعية) [11]، لئلا يفوتنا موضوع من الموضوعات الأدبية الداخلة في منهج الدراسة الثانوية ".

بعض المعاصرين · الصفحة ٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٩٩