تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنّ الشّدائد عادة تفرز الغثّ من السّمين، والمنتمي من اللامنتمي، ومجاهدَ الفكرة من دعيِّها، ولا تكون ثمّة أزمات إلا في شدائد، ولا تكون محكّات إلا في نكبات، ولا تكون أشواك إلا في صعاب المسالك ... من هنا، فليس من عجب أن يتساقط الناس على الأرصفة، إذا كان هذا حال العلماء يتساقطون ويتهاوون، علماءِ المناصب والأزياء، والأوسمة والشّهادات.

يعيش الفكر أزمة الكلمة والنّموذج، فنماذج الفكر اليوم وأدعياؤه يَقذِفون بكلماتهم باردةً باهتةً، لأنهم تبع لكل ناعق ناعر، تهون عليهم نفوسهم وثقافتهم إنْ كانت لهم ثقافة وهويّة، في سبيل تحقيق مصلحة عاريّة، أو مطمع بدا لهم خيره في الأفق، يحدوهم إلى ذلك غياب وازع الدّين، عداك عن رقابة العقل والضمير، بله لعنة الناس والتاريخ.

ليس عجبًا أن يتساقط الأدعياء على الأرصفة، في زمن يحمل الفكر فيه هبَنّقات وخواجات، يبتغون ألقابًا ووجاهات، ومناصب وحانات، فالفكر بالنسبة لهم دابّة يمتطونها، وكفايتهم لذلك أنهم لا يحسنون قراءة الماضي واستكناهه، ويعجزون في تحليل النصوص وسبر غورها، بل في فهمها واستنطاقها. إنّ بضاعتهم من العلم لطائف ونسائم، وأحقاد وضغائن، أَصَمَّها في آذانهم دهاقنة بحق وحقيق، فراحوا بها كمثل الذي ينعِق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ...

إنّ أمتنا اليوم انزلق بها رجالها في غياهب ومتاهات لا يرسون بها على برّ؛ فعلماؤها جهّالها، وعملاؤها قادتها. وأمّة هذه حالها، تنصّلت من ماضٍ مشرق، وانساقت إلى الذيليّة والتبعيّة، ليست بمستأهلة للدّخول في عالم الحاضر والمستقبل، فاستقراء الثابت يدعو إلى استشراف المتحوّل.

ونحن أمّة لسنا بِدْعًا من بين الأمم، فلدينا حضارة ناطحت السِّماكين، وأشرقت على أمم فأنبتت لهم حضارات، يشهد على ذلك كلّ من له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد. فلمّا عَقَقْناها صِرنا نقتات على موائد اللئام، بضاعتنا إليهم أنْ أَذِلّوا رؤوسَنا ونكِّسوا راياتِنا، واحرِقوا تراثَنا، وحطِّموا حصونَنا؛ فأنتم السّادة ونحن العبيد!! لكم العيش الرّغيد، والفراش الوثير، ولنا الحرمان والجوع، نفترش الأرض ونلتحف السّماء.

تحضرني هنا مقالة الفيلسوف الفرنسي المشهور (فولتير)، يوم ذُكر أمامه المصلحان الدّينيان: الرّاهب الألماني مارتن لوثر (1483 - 1546 م)، والرّاهب الفرنسي جون كلفن (1509 - 1564 م) في عصر التنوير في العصور الوسطى، اللذين كانت لهما جَلَبَة وأَوْج ... فاستذكر الفيلسوفُ محمدًا صلى الله عليه وسلم وما أحدثه في تاريخ الإنسانية، فقال: والله إنهما لا يصلحان أن يكونا نعلين لحذائه صلّى الله عليه وسلم.

ذلكم محمّد النّبي الأمي، الذي كانت أمّيته حجّة على أمّة اتّصفت بالفصاحة والبيان، فعَجَزت أن تجاري القرآن في أسلوبه؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كابر وعاند فانكفأ على عقبيه خسر الدنيا والآخرة. وهكذا وقف هؤلاء الأدعياء السّفلة عند الرّصيف، يعدّون الفكر بضاعة مزجاة يكترونها بثمن بخس دراهم معدودة، في زمن أُريد فيه للكلمة الناطقة والعبارة الأبيّة، أن تكون حبيسة اللسان، رهينة الجَنان، وهي حالة مرضيّة ابتليت بها الأمّة يوم ظهر هؤلاء من جحورهم ينادون بالتقدميّة ويحذّرون من الرجعيّة.

ومع ذلك، فإنّ التاريخ لا يرحم، ولن يساوم حتى وإنْ مرّت دهور وأزمان، غابت فيها الحقائق وأُرِيد لها أن تكون في غياهب المجهول، أرادها عبيد السّياسة وأدعياء الفكر ومنظّرو (الرّدهات) و (الدّهاليز) .... غير أنها أزمة ستؤول إلى زوال، فتظهر ثمّة الأيادي الخفيّة تلك المتوضّئة، التي آلت على نفسها أن تكون مع الكلمة الصّادقة والحقيقة الناصعة، المغيّبة عن أجيال وأجيال في ظلام دامس وليل حالك - فيبزغ فجر جديد يفترق الناس فيه راغمين إلى فريقين: فريق إلى جنّات التاريخ، حيث الحُبور والجَذَل والسّرور، وآخر إلى (مزابله) والعياذ بالله، حيث الأدعياء المتراصفون.

بعض المعاصرين · الصفحة ٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٩٨