وكان من أقران الأفغاني في ثانوية دمشق أو قبله أو بعده، مجموعة من التلاميذ الذين صار شأنهم في الحياة كبيرًا، وبلغوا منزلة من الفكر والثقافة والبيان، منهم: علي الطنطاوي، ومحمد الجيرودي، وجمال الفرا، وأنور العطار، ومسلم القاسمي، وعبد الغني الكرمي، وعبد الكريم الكرمي، وجميل سلطان، وزكي المحاسني، وأمجد الطرابلسي، وظافر القاسمي، وغيرهم كثير.
وقد سجّل عن بعضهم الأفغاني في كتابه [12]: "ولا أنسى - وكنت تلميذًا ليليًّا فيها (أي ثانوية دمشق) - أنّ عيني ألفت أن أجد على منضدة رفيقي محمد الجيرودي نقيب المحامين فيما بعد، أمالي القالي وبعض أجزاء الأغاني وهو في السنة الثانية من تحصيله الثانوي، كما ألفت رؤية القاموس المحيط بأجزائه الأربعة أمام زكي المحاسني الأديب الشاعر، ودواوين الشعر القديم أمام أنور العطار، وكتب الأدب واللغة مع عبد الغني الكرمي وعبد الكريم الكرمي، وغيرهم إلى جانب كتبهم الدراسية الثانوية".
وكان لهؤلاء الطلاب (وهم في الثانوية) دراية في النقد ودربة في فنون الكلام، وما جاءت لهم هذه الملكة من فراغ، لولا حرص أساتذتهم وتشجيعهم لهم أن تكون اللغة العربية زادهم وكيانهم، فكانوا في جلساتهم لا يتحدثون إلا الفصحى، ويروي الأفغاني (وقد كان طالبًا في ثانوية دمشق) عن الحفلات والمهرجانات يقول:"حتى لأذكر أننا كنا نرجع من الحفلة أو المهرجان أو المحاضرة، فئة من الطلاب الليليين في ثانوية دمشق، نعلّق على الموضوع، وعلى ضعف المحاضر أو قوته في لغته، وفي ذاكرة كلّ منّا الهفوات التي لحق بها المحاضر أو الخطيب، نتفق في الرأي على أكثرها ونناقش في قليل منها مختلفين [13] ".
وإنما جاءت قوّتهم في العربية وقد اكتملت لهم ناصية البيان لأنّهم تعلّموا النحو صغارًا في المرحلة الابتدائية في سلسلة (الدروس النحوية) للمرحوم حفني ناصف ورفاقه، يقول الأفغاني عن هذه السلسلة: " أنهيتها في المرحلة الإعدادية، ولا يحتاج من درس جزأها الأخير (قواعد اللغة العربية) إلى زيادة في نحو ولا صرف ولا بلاغة؛ ما عليه إلا الانصراف إلى أدبنا الصافي وتاريخنا الرائع، يعبّ منهما ما وسعه العبّ، ويتذوّق عبقرية لغته ما أمكنه التذوّق [14] ".
إذن، فثانوية دمشق هي التي أصّلت فيهم محبّة العربية، وهي التي درجت بهم أن يكونوا في يوم من الأيّام أعلامًا في رحابها وكينونتها، إنّها "معقل العروبة وطنيةً ولغة وأدبًا وتاريخًا ونضالاً طويلاً" على حدّ تعبير أستاذنا رحمه الله.
أمّا الجامعة السوريّة، فقد دخلها بين سنتي (1929 - 1932)، ولم يمضِ على إنشائها سوى عشر سنوات، ولم يتطرّق في كتابه للحديث عن كلّية الآداب، لأنّ الكلام على عروبتها كما يرى من الفضول، في حين كان معنيًّا بالتأريخ لمعهدي الطبّ والحقوق. غير أنّ تلميذه عبد المجيد القادري أشار [15] إلى أنه رحمه الله كان أحد الذين عملوا على وضع الكلمات الطّبيّة والعلميّة التي تستعمل في الشّرح أثناء إلقاء المحاضرات في مدرّجات كلّيتها الطّبيّة.
وقد تتلمذ علي يديه في جامعة دمشق خاصّة والجامعات العربية عامة، طلابٌ كثيرون توزّعوا في أنحاء الوطن العربي الكبير، ومنهم اليوم أساتذة كبار يحملون رسالة العربية متأثرين بما ثقفوه من منهج الأفغاني الذي غرسه فيهم على إكبار العربية.
وقد أشرف الأفغاني على رسائل جامعية في الماجستير والدكتوراه في دمشق وعمان [16]. وكان رحمه الله قد تزوّج بأخرة ابنة القاضي صلاح الدين الخطيب [17]، ورُزق منها الابنة الوحيدة (بشرى)، التي تعدّ أطروحةً لنيل درجة الدكتوراه في التّربية.
وكما انقطع والده بعد وفاة زوجه للعمل وتربية أولاده بعدم الانشغال بأعباء الزوجيّة، كذلك ورث الأفغاني هذه الحالة عن والده، فهو تزوّج بعد الخمسين من عمره، وكان يحبّ العزلة والانفراد كثيراً، منقطعاً للبحث والتحقيق والتأليف، حتى صار القلعة لا تهزّها العواصف الهوجاء، والراسخ الذي امتلأ علمًا وإحاطة بالتراث العربي والفكر المعاصر، فهو وغيره من علماء الشام نتاج دهاقنة العلم وأساطينه ممن تأبّوا على جيل المستعمر وألاعيبه، الانقطاعُ للعلم ديدنهم، والترفّع عن زخارف الدنيا وملذاتها طباعهم.