هو من غير العرب أرومة، و "كان أبوه على صلاحه وتقواه لا يحسن العربيّة"، وليس ذلك أمرًا غريبًا؛ لأنّ الشّواهد في تراثنا العربيّ والإسلاميّ على هذه الظاهرة كثيرة جدًّا، وأمثّل لها بالقرّاء العشرة؛ فثمانية منهم هم من غير أرومة العرب، وقس على ذلك في كلّ العلوم العربيّة الإنسانيّة والتّجريبيّة على السّواء، وهي ظاهرة جديرة بالاهتمام والدّراسة.
كان رحمه الله وغيره من الأعلام في النصف الأول من القرن الماضي (العشرين)، كانوا يشكّلون ظواهر يستغرب لها أنصاف المتعلمين اليوم، ممن لا يزيد علمهم على مجموعة محفوظات لقنوها في كراريس، ظنوا بها أنهم حازوا سبقًا كبيرًا يدفعهم للصّدارة والخطابة والفتوى، فكيف بهم إذا كان لهم نبوغ العقاد، أو الرّافعي، أو محمود شاكر، أو سعيد الأفغاني، أو النفّاخ، أو ... الخ؟؟.
والعجب أنك إذا سألت أحدهم عن واحد من هؤلاء القمم الشوامخ، تنطّع لك بإجابة باهتة كأنه في المنام يهذي أو في المقهى مخمور .. من هذا ومن ذاك؟ لا أظنه يرقى أن يُدرس أو أن تكون فيه رسالة، وهو ليست له بضاعة.
ما بضاعتكم إلى بضاعتهم وأنتم من يحملون اليوم أعلى الشهادات العلمية لم تكن لهم؟ وتتصدّرون هيئات ومؤسسات، ولكم فيها مخصّصات وامتيازات ورثتموها كابرًا عن كابر، وتشيحون بوجوهكم مصعّرين إذا ذكر أحد منهم بخير أو قرّظ وأثني عليه ...
والأفغاني واحد من أولئك الدين أحبّوا أن يقوموا للتراث بدأب وصمت وإخلاص، تدفعهم إليه أصالة المنبت وصدق الانتماء، والبعد عن الكِبْر والجاه، ويقينٌ في العودة إلى الله، كأنه يعيد إلى الذاكرة ذلك الجيل الذي حمل دعوة الإسلام في الخافقين، لا يحدوه في ذلك سوى حسن الختام واللحاق بالنبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، لأن العظماء يتعالون عن صغائر الأمور ومحقّراتها، ولا تصلح لهم إلا العظائم، وهي لا تصلح إلا بهم.
لا ننكر اليوم أنّنا نمرّ بأزمات، أزمة فكر، وأزمة أخلاق، وأزمة ضمير، وأزمة هويّة، ... بصرف النظر عن مشاربنا وتعدّد مذاهبنا، واختلاف اتّجاهاتنا. ولعلّ أزمة الفكر والثقافة واحدة من تلك الأزمات المتراحبة التي تمرّ بها الأمم والشّعوب، وهي أزمة لها هيئاتها ومنظّروها وتتّصل بحركة الأمم وتطوّر مجتمعاتها وانحطاطها؛ فالفكرُ، وسبيله العلم، عزٌّ ترنو النّفوس إليه، وتتصارع الدّول النابضة بالحياة والحافظة للجميل، أن تكون في عداده؛ فكلّ عزّ لا يوطّد بعلم فإلى ذلّ يؤول.
استرعت انتباهي عبارة قرأتها ولا أعرف قائلها: إنّ في أيّامنا هذه أناسًا يتساقطون على أرصفة الفكر. وتساءلت يومها: ما أرصفة الفكر؟ وهل للفكر أرصفة؟ ومن أولئك الذين يتساقطون على أرصفته؟ وتمنّيت لو أنّ أحدنا يفعل ما فعل ابن شهيد الأندلسي في رسالته الأدبية (التّوابع والزّوابع)، فيصحب معه تابعًا يعرّج به على طائفة من العلماء والمفكّرين، يحاكيهم ويناكفهم في قضيّة الثقافة والفكر، فقد غدت اليوم في قفص الاتهام في الأقبية في غياهب السّجون.
إذا كان الطّريق الواسع المتراحب، له رصيف تعود قيمته وأهميته إلى بيان حدود الطرق وإعطائها صفة جمالية، وإذا كان الرّصيف لطيفًا جميلاً، فمن باب أولى أن يكون الشّارع كذلك.
أما العلم، فهو ضالّة الناس ينشدونها، إنْ أحسنوا التعامل معها، من حيث الدّخول في مقدّماتها والصّبر على غلوائها؛ لأنّ العلم مهيع لا يقطعه إلا رجل ذو صبر وجلد، وخفر وحياء، وفكر ورويّة. لذلك، فهي بالنسبة للناس كالماء للظمآن يطلبه حثيثًا، وما مقدّمات العلم والفكر إلا تلكم الأرصفة، التي يتزاحم الناس عليها ... فلا عجب إذن أن يكون للفكر أرصفة، ليست للعلماء والمفكرين بل للشّادين والمبتدئين، الذين يدّعون علمًا لا يزيد على مجموعة ذخائر اقتنصوها من هنا وهناك.